هناك مسئولون يكتفون بإدارة الملفات من خلف المكاتب، وهناك مسئولون يدركون أن المستقبل لا يُنتظر وإنما يُصنع، وأن الأفكار الكبرى لا تولد فى العزلة، بل فى الحوار والتفاعل وبناء الشراكات.. وخلال أيام قليلة، رسم جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة صورة مختلفة للحركة المصرية على الساحة الدولية، متنقلاً بين باريس والرباط، ليس فى رحلة بروتوكولية عابرة، وإنما فى جولة حملت عنوانًا واحدًا: الاستثمار فى الإنسان وصناعة المستقبل.
ففى العاصمة المغربية الرباط، كان المشهد عربيًا بامتياز، وزراء وخبراء ومؤسسات معنية بالشباب يجتمعون لمناقشة أحد أكثر الملفات حساسية وتأثيرًا فى حياة الأجيال الجديدة، وهو أثر وسائل التواصل الاجتماعى على الشباب العربى، هناك لم يكن الحديث عن تطبيقات إلكترونية أو منصات رقمية بقدر ما كان حديثًا عن الإنسان نفسه، عن وعيه، وعن قدرته على التمييز بين المعرفة والتضليل، وبين الحرية والفوضى، وبين التواصل الحقيقى والعزلة المقنعة.
وخلال افتتاح الملتقى العربى الأول حول «أثر وسائل التواصل الاجتماعى على الشباب»، أكد جوهر نبيل وزير الشباب والرياضة ورئيس المكتب التنفيذى لوزراء الشباب والرياضة العرب أن العالم يعيش تحولات رقمية غير مسبوقة، وأن مسئولية المؤسسات الحكومية لم تعد تقتصر على تقديم الخدمات أو تنفيذ البرامج التقليدية، بل أصبحت تمتد إلى بناء الوعى الرقمى، وترسيخ ثقافة الاستخدام المسئول للتكنولوجيا، وحماية الشباب من مخاطر المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والتطرف الرقمى، فضلاً عن مواجهة التأثيرات النفسية والاجتماعية الناتجة عن الاستخدام المفرط للمنصات الإلكترونية.

ولم تكن كلمات رئيس المكتب التنفيذى لوزراء الشباب والرياضة العرب مجرد تشخيص للواقع، بل حملت رؤية للمستقبل، حين دعا إلى إطلاق مبادرة عربية تحت شعار «نحو الاستخدام المسئول لوسائل التواصل الاجتماعي.. وعى رقمى لأجيال المستقبل»، لتكون بمثابة خارطة طريق عربية تسهم فى بناء جيل أكثر وعيًا وقدرة على توظيف التكنولوجيا فى التنمية والبناء والإبداع.

ومن الرباط إلى باريس، انتقل الحوار من حماية العقول إلى تطوير المؤسسات، ففى مقر منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية OECD، إحدى أهم المؤسسات الدولية المعنية بالسياسات العامة والحوكمة والتنمية، عقد وزير الشباب والرياضة سلسلة من الاجتماعات المهمة مع كبار مسئولى المنظمة، لاستعراض برامج التعاون المشتركة وبحث آفاق تطويرها خلال المرحلة المقبلة.. وفى هذا اللقاء، برزت مصر باعتبارها شريكًا فاعلاً لا مجرد متلقٍ للخبرات، فقد ناقش الجانبان برامج تعزيز الحوكمة المرتكزة على المواطن، وتطوير السياسات الشبابية القائمة على الأدلة، ومنهجيات المتابعة والتقييم وقياس الأثر، وهى كلها أدوات أصبحت تمثل العمود الفقرى للإدارة الحديثة وصناعة القرار الرشيد فى الدول المتقدمة.
وأكد الوزير أن الدولة المصرية، فى ظل الدعم الكبير الذى توليه القيادة السياسية لملف الشباب، تسعى باستمرار إلى الاستفادة من أفضل الممارسات العالمية فى تطوير البرامج والسياسات الموجهة للأجيال الجديدة، بما يعزز كفاءة المؤسسات ويرفع من مستوى مشاركة الشباب فى مسارات التنمية وصنع القرار.
ولم يمر اللقاء دون إشادة دولية واضحة بالتجربة المصرية، حيث أعرب مسئولو المنظمة عن تقديرهم لما حققته مصر خلال السنوات الأخيرة فى مجال تمكين الشباب وبناء القدرات وتوسيع مساحات المشاركة المجتمعية، مؤكدين اهتمامهم بمواصلة التعاون مع وزارة الشباب والرياضة واستكشاف مجالات جديدة للشراكة خلال المرحلة المقبلة.
غير أن باريس لم تكن محطة للسياسات فقط، بل كانت أيضًا محطة للرياضة باعتبارها صناعة عالمية متكاملة، ففى لقاء مهم جمع وزير الشباب والرياضة مع صوفى لوران رئيسة تجمع الشركات الفرنسية للخبرات الرياضية، وبمشاركة نخبة من المستثمرين وممثلى كبرى الشركات الفرنسية المتخصصة فى تنظيم وإدارة الأحداث الرياضية الدولية، انتقل النقاش إلى ملف آخر لا يقل أهمية، وهو مستقبل الرياضة المصرية وموقعها على خريطة الأحداث العالمية الكبرى.
\وخلال اللقاء، تم استعراض الخبرات الفرنسية المتراكمة فى تنظيم البطولات الدولية، خاصة بعد النجاح الكبير لدورة الألعاب الأولمبية والبارالمبية باريس 2024، كما تمت مناقشة فرص التعاون فى مجالات التخطيط الاستراتيجى للأحداث الرياضية، وإدارة المنشآت، والتحول الرقمى، وإدارة الحشود، وبرامج المتطوعين، والاستدامة، وتعظيم الأثر الاقتصادى والاجتماعى للبطولات الكبرى.
وأكد جوهر نبيل أن مصر تمتلك بنية تحتية رياضية متطورة وخبرات تنظيمية متراكمة تؤهلها لاستضافة المزيد من الفعاليات القارية والدولية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تستهدف توسيع الشراكات الدولية ونقل الخبرات العالمية وتعزيز القدرات الوطنية بما يرسخ مكانة مصر كمركز إقليمى ودولى لصناعة واستضافة الأحداث الرياضية الكبرى.
والحقيقة أن ما جمع بين الرباط وباريس لم يكن جدول سفر مزدحمًا أو سلسلة لقاءات رسمية، وإنما رؤية متكاملة تتحرك على أكثر من محور فى الوقت نفسه، ففى المغرب كان الحديث عن حماية وعى الشباب العربى فى العصر الرقمي، وفى فرنسا كان الحديث عن تطوير السياسات والمؤسسات التى تخدم الشباب، وعن بناء شراكات رياضية دولية تعزز مكانة مصر على الساحة العالمية.
إنها صورة تعكس فهمًا حديثًا لدور وزارة الشباب والرياضة، باعتبارها مؤسسة معنية ببناء الإنسان قبل إدارة المنشآت، وبصناعة الفرص قبل تنظيم الفعاليات، وبفتح آفاق جديدة أمام الشباب المصرى والعربى فى عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.
ومن الرباط إلى باريس، كانت الرسالة المصرية واضحة: أن الاستثمار الحقيقى يبدأ من الإنسان، وأن الشباب ليسوا مجرد فئة عمرية داخل المجتمع، بل هم المشروع الوطنى الأكبر، والثروة التى تراهن عليها الدولة المصرية فى معركة البناء والتنمية وصناعة المستقبل.
وفى زمن تتنافس فيه الدول على النفوذ والتأثير والابتكار، تبدو معركة الوعى، ومعركة المعرفة، ومعركة تمكين الشباب، هى المعارك الأكثر أهمية، ولهذا جاءت تحركات وزير الشباب والرياضة خلال هذه الجولة الدولية لتؤكد أن مصر لا تكتفى بمتابعة ما يحدث فى العالم، بل تسعى إلى أن تكون شريكاً فى صياغة ملامح المستقبل، وصوتاً مؤثراً فى القضايا التى تمس الشباب والتنمية والرياضة على المستويين العربى والدولي.
وزير الشباب والرياضة يكلف ممدوح الششتاوي مستشارًا لشؤون الاستثمار
إدريس يهنيء الوزير بانتخابه في اليونسكو
1200 مركز شباب لدعم الفراعنة.. ورسالة مؤثرة من وزير الرياضة قبل لقاء إيران





