طبلية عشماوي تنتظر مرتكب مذبحة سيوة

المتهم
المتهم


منذ اللحظات الأولى للجريمة، تابعنا تفاصيل مذبحة واحة سيوة التي هزت الرأي العام؛ فنشرنا في العدد رقم 1763 بتاريخ 8/1/2026، موضوعًا بعنوان «بعد إحالته لمحكمة الجنايات.. ننشر نص اعترافات مرتكب مذبحة قتل 4 أفراد من أسرة واحدة بسيوة»؛ نقلنا كواليس التحقيقات وشهادة الناجي الوحيد، ورصدنا كيف تحولت قصة إحسان وثقة ورد الجميل إلى واحدة من أبشع الجرائم التي شهدتها محافظة مطروح، وأخيرا بعد تداول القضية داخل ساحة المحكمة، أصدرت محكمة الجنايات حكمًا رادعًا لتستدل الستار عن تلك القضية.. وإلى التفاصيل المثيرة.

لم تكن مذبحة واحة سيوة مجرد جريمة قتل عادية، بل كانت واحدة من تلك الجرائم التي تترك أثرًا طويلًا في ذاكرة الناس، ليس فقط بسبب عدد الضحايا أو بشاعة المشهد، وإنما بسبب تفاصيل الخيانة التي سبقتها.. ففي مجتمع صغير يعرف أفراده بعضهم البعض، ويقوم على الثقة والود وحسن المعاملة، لم يتخيل أحد أن الرجل الذي فتح بيته وقلبه لشخص يبحث عن فرصة عمل، سيكون هو نفسه الضحية، وأن اليد التي امتدت إليه بالعون ستتحول يومًا إلى يد تحمل السكين.

الشيخ موسى عبدالوهاب، رجل في الخمسينيات من العمر، من محافظة أسيوط، ترك بلدته في دير الجنادلة بمركز الغنايم، منذ أكثر من 25 عامًا، خرج يحمل فوق كتفه حقيبة بسيطة، وفي قلبه أحلام رجل شريف يبحث عن لقمة عيش حلال وحياة مستقرة.. تنقل بين المحافظات؛ يجرب حظه هنا وهناك، حتى انتهى به الطريق إلى واحة سيوة؛ حيث قرر أن يبدأ من جديد؛ شيد بيتًا صغيرًا، ثم مزرعة تعب في كل شجرة فيها، وكل نخلة كانت شاهدة على سنوات الغربة والكفاح، كون لنفسه حياة، وبدأ من جديد وتزوج بأخرى حتى رزقه الله منها بثلاثة أبناء «رقية، مريم، أحمد»، وكان يقيم معه نجله يحيى من زوجته الأولى.

عرف الشيخ موسى بين أهالي واحة سيوة بطيبة قلبه، ورجاحة عقله، لا يرد سائلا ولا يرفض محتاجًا، وفي أحد الأيام جاءه شاب يدعى محمود، من محافظة دمياط، يطلب العمل، لم يحقق الشيخ موسى كثيرًا، لم يسأله عن خلفيته، فقط منحه فرصة وأكرمه، وجعل منه فردًا في البيت، حتى وثق فيه أكثر من أبنائه، لكن لم يكن الشيخ موسى يعلم أن الشيطان يسكن خلف تلك الابتسامة الماكرة؛ فمحمود بين ليلة وضحاها حول الإحسان لمجزرة وقتل الشيخ موسى وزوجته ونجلتيه بدم بارد دون أي ذنب، اعتقد البعض منذ معرفتهم بالجريمة أن الدافع هو السرقة ولكن لم تكن السرقة هي الدافع الرئيسي وراء تلك الجريمة.. وبقى السؤال ماذا فعل الشيخ موسى لتكون هذه نهايته على يد من وثق فيه ومد له يد العون؟!

معاتبة ثم انتقام

كشفت تحقيقات النيابة أن الجريمة لم تبدأ كما اعتقد كثيرون بمحاولة سرقة انتهت بمذبحة، وإنما بدأت بخلاف بين المتهم والمجني عليه.

فبحسب أوراق القضية، اكتشف الشيخ موسى، قيام محمود بسرقة أنبوبة غاز من ممتلكاته، فعاتبه على ما فعله، إلا أن المتهم لم يتقبل اللوم، وتطور الأمر إلى طرده من العمل.. ومنذ تلك اللحظة، قرر محمود الانتقام.

تبين من التحقيقات أن محمود توجه إلى أرض الشيخ موسى الزراعية، وافتعل معه مشادة، قبل أن يعتدي عليه باستخدام فأس، محدثًا إصابات أودت بحياته في الحال، كما اعتدى على نجله يحيى الذي سقط أرضًا غارقًا في دمائه، ليعتقد المتهم أنه فارق الحياة.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ استولى المتهم على الدراجة النارية الخاصة بالمجني عليه، وتوجه إلى منزل الأسرة، مستغلًا غياب صاحب المنزل بعد مقتله، بحثًا عن الأموال وأوراق الدراجة النارية، وهناك ارتكب الجزء الأكثر دموية من الجريمة، بعدما اعتدى على زوجة الشيخ موسى وابنتيه مريم ورقية، موديًا بحياتهن داخل المنزل.

وبعد تنفيذ جرائمه، اصطحب الطفل أحمد، أصغر أبناء الأسرة، واحتجزه داخل منزل آخر كان الشيخ موسى استأجره من قبل، معتقدًا أن الطفل سيكون وسيلته الآمنة لمغادرة المنطقة وتنفيذ مخططه في الاستيلاء على أكبر قدر ممكن من ممتلكات الأسرة.

ولم يكتف المتهم بذلك، بل عاد مجددًا واستعان بعدد من سيارات النقل لنقل الأثاث والمواشي ومتعلقات المجني عليه، في محاولة للاستيلاء على كل ما يملكه، لكن مخططه انهار في اللحظات الأخيرة، بعدما تمكن الطفل أحمد من لفت انتباه أحد الجيران أثناء احتجازه، حيث ظل يصرخ ويطرق باب المنزل حتى سمعه أحد الأشخاص، الذي تمكن من الوصول إليه والاستماع لروايته، قبل إبلاغ الأجهزة الأمنية.

وبانتقال قوات الشرطة إلى مكان البلاغ، ضبط المتهم وكشف تفاصيل الجريمة، فيما حملت الساعات التالية مفاجأة أخرى، بعدما تبين أن يحيى، نجل المجني عليه، لم يفارق الحياة كما اعتقد المتهم، وإنما كان فاقدًا للوعي متأثرًا بإصاباته، ليصبح ثاني الناجين من المذبحة بعد شقيقه أحمد.

وأمام النيابة اعترف محمود بتفاصيل جريمته كاملة وأحيلت القضية لمحكمة الجنايات.

القصاص العادل

وفي مشهد جنائزي مهيب شيع المئات من أهالي محافظة أسيوط، جنازة الشيخ موسى وزوجته وابنتيه، وسط حالة من الحزن الشديد بين أهالي مركز الغنايم بأسيوط، وانهيار أسرتهم وزملائهم، وأصبحت مطالبهم هي القصاص العادل وإعدام القاتل الذي قابل الإحسان بالندالة والغدر.

ظلت القضية متداولة داخل ساحة المحكمة، وفي أولى جلسات محاكمة المتهم، طلب محاميه عرضه على الطب النفسي لبيان مدى سلامة قواه العقلية وقت ارتكاب الجريمة، وبعد عرضه تبين أنه كان مسئولا عن أفعاله وقت الواقعة، حتى قضت محكمة جنايات مطروح الدائرة الثالثة، برئاسة المستشار محسن سعيد سالم رئيس المحكمة، وعضوية المستشارين ماجد محمود حميدة، ومحمد أحمد أبوالمعالي، وإبراهيم عبدالحليم، بإحالة أوراق المتهم إلى فضيلة مفتي الجمهورية لأخذ الرأي الشرعي في إعدامه، لتسدل الستار عن القضية بهذا القرار الرادع تمهيدًا للحكم عليه بالإعدام شنقًا.

اقرأ  أيضا: إحالة أوراق قاتل زوجته بالشرقية للمفتى

;