في كل مرة تتكشف فيها قضية جديدة لجمع الأموال من المواطنين خارج القنوات المصرفية التقليدية، يتكرر السؤال نفسه: كيف وما زال هذا يحدث؟ كيف يقتنع آلاف الأشخاص، في عام 2026، بتسليم مدخرات عمرهم لشركات أو منصات تعدهم بأرباح استثنائية، بينما يرفضون وضع هذه الأموال في البنوك أو الأوعية الاستثمارية الخاضعة للرقابة؟!
السؤال يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، لكنه يخفي وراءه شبكة معقدة من العوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي صنعت عبر عقود طويلة بيئة مثالية لازدهار ظاهرة «توظيف الأموال»، فمنذ انهيار شركات الريان والسعد في ثمانينيات القرن الماضي، مرورًا بعشرات الوقائع التي عُرفت إعلاميًا باسم «المستريحين»، وصولًا إلى منصات الاستثمار الإلكتروني الحديثة مثل FBC وهوج بول، ظل السيناريو يتكرر بتفاصيل تكاد تكون متطابقة.. وعود بعوائد مرتفعة، أرباح أولية تُدفع بانتظام لكسب الثقة، شبكة من المسوقين والأقارب والأصدقاء ولا مانع من أن يسبقها صاحب لحية يبارك لهم طمعهم، ثم اختفاء مفاجئ للأموال وبدء رحلة طويلة من البلاغات والتحقيقات والمحاكم.
اليوم، تعود الظاهرة إلى الواجهة مجددًا عبر اتهامات متداولة ضد إحدى الشركات، وهي تعمل من مقرها في منطقة سيدي جابر بمحافظة الإسكندرية، قدمت نفسها لعدد كبير من المواطنين باعتبارها جهة استثمارية قادرة على تحقيق عوائد شهرية مرتفعة، من استصلاح الأراضي والاستثمار في العقارات، ووفقًا لعشرات الشهادات والمستندات والبلاغات التي اطلعت عليها «أخبار الحوادث»، فإن مئات المتعاملين مع الشركة يؤكدون أنهم سلموا أموالهم بموجب عقود رسمية، وتصل المبالغ لمليار و٨٠٠ مليون جنيه، وأن عدد الضحايا تجاوز – حتى موعد كتابة هذه السطور – حاجز 1800 ضحية، قبل أن تبدأ أزمة تأخر المدفوعات ثم تتطور إلى اتهامات بالنصب وتوظيف الأموال وجمع أموال من الجمهور دون ترخيص، وهي الاتهامات التي لا تزال محل تحقيق أمام الجهات القضائية المختصة..
في فبراير 2025، انفجرت أزمة منصة FBC الإلكترونية، بعدما جذبت آلاف المصريين عبر وعود بأرباح سريعة مقابل تنفيذ مهام رقمية بسيطة، وقبلها بعامين فقط، ظهرت واحدة من أكبر وقائع الاحتيال الإلكتروني مع منصة هوج بول (HoggPool)، التي أقنعت المشتركين بأنها تستثمر في تعدين العملات الرقمية، قبل أن تتوقف فجأة عن السداد، وبين هاتين الواقعتين، لم تتوقف قضايا «المستريحين» التي اعتمدت جميعها على المبدأ نفسه: استغلال الثقة الإنسانية والطمع المشروع في تحسين الدخل، وتحويل الضحايا أنفسهم إلى أدوات لجذب ضحايا جدد.
لو تأملنا القاسم المشترك في أغلب قضايا توظيف الأموال، سنجد أنها تسير بتراتبية شديدة التعقيد والتكرار، بنمط واحد لا يتغير تقريبا، بدءًا من العائد الأعلى من البنوك والسوق، ودفعات الأرباح المنتظمة في البداية لكسب الثقة، ثم التوسع السريع من خلال الأقارب والأصدقاء والمعارف.
إلى جانب اعتماد الضحايا على السمعة الشخصية أكثر من الرقابة القانونية، وزيادة حجم الأموال الداخلة مع الوقت، ثم ينتهي المنحدر بتأخير السداد بحجج مختلفة، ووعود متكررة بقرب الحل، حتى يتوقف السداد أو اختفاء المسئولين أو إغلاق المقرات، وينتهي الأمر حتما ببلاغات وتحركات قضائية لاحقة.
هذا هو المسلسل من حلقته الأولى وحتى تتر نهاية الحلقة الأخيرة، بمشاهده المملة، وعلى الرغم من أن الجميع قد شاهده عشرات المرات، إلا أنه يتكرر في كل مرة، والأغرب، أن هناك من يصدقه في كل مرة.
عائد شهرى 16٪
بدأت رحلة «أ. إيجي» بعائد شهري يصل إلى 16٪، وكانت هي البداية التي انطلق منها القائمون على الشركة لاستقطاب أكبر عدد من الناس، الذين يريدون استثمار ما لديهم من أموال وتحقيق ارباح كبيرة في وقت قصير.
المهم، بدأت الشركة نشاطها منذ سنوات، وعلى حد وصف الكثير من الضحايا، كانت الأرباح تصرف شهريا بلا انقطاع، وأن استثمارات الشركة – حسب ما أوضحوا – في العقارات واستصلاح الأراضي، وبناء على شهادات بعض الضحايا، وصل عددهم إلى 1800 ضحية، ووصلت حجم المبالغ إلى مليار و٨٠٠ مليون جنيه.
والسؤال هنا.. كيف يمكن لوعد بعائد شهري مرتفع أن يتحول إلى كابوس يطارد مئات الأسر، وكيف يتكرر المشهد ذاته في كل جيل بأسماء مختلفة وشعارات جديدة، بينما يبقى الضحايا هم الحلقة الأضعف في معادلة تتجدد باستمرار.
من الإسكندرية إلى القاهرة، ومن مجموعات التواصل الاجتماعي إلى أروقة النيابات والمحاكم، تتقاطع روايات الضحايا مع المستندات الرسمية، لتشكل واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل خلال الفترة الأخيرة؛ قضية تبدأ بوعد بالربح، وتنتهي – على الأقل حتى الآن – بسؤال مفتوح: أين ذهبت الأموال، ومن يتحمل المسئولية عن مصيرها؟!
بين ليلة وضحاها، وجد مئات المواطنين أنفسهم أمام واقع لم يتخيلوه، أموال ادخروها لسنوات، وقروض حصلوا عليها بشق الأنفس، ومدخرات خصصوها لتأمين مستقبل أبنائهم، أصبحت محل نزاع وتحقيقات قضائية، بعد تعثر شركة «أ. إيجي»، وتوقفها عن الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها، وفق ما يؤكده عدد من المتضررين.
الشجرة والفروع
بحسب شهادات عدد من المتضررين، اعتمدت الشركة على شبكة من المسوقين والعاملين الذين نجحوا في استقطاب عملاء جدد عبر العلاقات الشخصية والمعارف والأصدقاء، وبعد أن استتب لهم الوضع، اتخذوا من مقام الشجرة والأفرع انطلاقة لهم، وهذا النظام – لمن لا يعرفه – يعتمد في بنيته الأساسية على أن يستقطب الضحايا ضحايا آخرين، على اعتبار أن يُمنحوا نسبة من العائد، وهكذا، جلس القائمون على الشركة في مكاتبهم، وتولى الضحايا مهام الدعاية والإعلان!
في حديثها لـ»أخبار الحوادث»، تقول إحدى الضحايا: «أنا دخلت الشركة عن طريق واحدة صحبتي، لقيتها بتقولي على الشركة وعلى الأرباح، وفي نفس الوقت لقيت كذا حد برضه بيأكد الكلام ده، وأنا للأسف صدقت وكلمت حد من الشركة واتفقت على العقد والأرباح، وبعتلي العقد على النت ومضيته وبعته ليه تاني، وبعد كدا بعتله 250 ألف جنيه دفعة واحدة، وخدت منها حوالي 70 ألف جنيه على مدار 3 أشهر على اعتبار إنهم من الأرباح، وبعد كدا مبعتوش الأرباح واختفوا والفلوس ضاعت»!
بينما تروي سيدة أخرى تجربتها قائلة: «كنت سمعت عن الشركة كتير من ناس أعرفهم، ولقيت إعلانات عنها على مواقع التواصل الاجتماعي، وفعلا جبت رقمهم وكلمتهم وعرفت كل التفاصيل، لكن وقتها مهتمتش استثمر فلوسي معاهم، لكن اللي كلمتها رجعت تكلمني كتير علشان ألحق نسبة الـ16%، وفي الآخر دفعت حوالي 100 ألف جنيه، ومخدش غير قبض شهر واحد بس».
متضررون، في حديثهم لـ»أخبار الحوادث»، أكدوا أن الأمور بدت طبيعية، وأن بعض العملاء حصلوا بالفعل على دفعات أو عوائد خلال الأشهر الأولى، وتحديدًا في 2025، لكن مع مرور الوقت بدأت الشكاوى تتزايد، وتأخرت المدفوعات، وصدرت تفسيرات مختلفة من مسؤولي الشركة والعاملين بها، قبل أن تتحول الوعود المتكررة إلى حالة من القلق والغضب بين العملاء.
يقول أحد الضحايا: «كانوا يقولوا أكيد الشهر اللي جاي هندفع.. أكيد وراها أكيد.. لكن مفيش حاجة كانت بتحصل، دفعت أكتر من 500 ألف جنيه، والفلوس راحت»!
ويضيف آخر: «بعد فترة قصيرة من دفع الفلوس، تسلمت حوالي شهرين من الأرباح، وبعدها بدأت الشركة في المماطلة والتنصل من التزاماتها وعدم رد رؤوس الأموال».
إغلاق المقرات
المرحلة الأكثر صعوبة بالنسبة للضحايا، جاءت عندما فوجئوا بإغلاق المقرات وانقطاع التواصل مع عدد من المسئولين والعاملين الذين كانوا يتواصلون معهم بصورة شبه يومية.
وأكد متضررون، في حديثهم لـ»أخبار الحوادث»؛ أن محاولاتهم للوصول إلى المسئولين أو الحصول على معلومات واضحة حول مصير أموالهم باءت بالفشل.
أحد الضحايا عبر عن حالة الإحباط بقوله: «هما فين أصحاب الشركة؟ كله اختفى فجأة، واحنا كمتضررين قدمنا بلاغات في رانيا. ف، وشقيقها وائل، وشخص تاني معاهم اسمه فادي. ر، وجينا. ن، ومارك. ر، وميرنا. ن، مضيفا أن «رانيا. ف» هي من أسست الشركة، في فرعها الأساسي في إسكندرية، وحاليا مختفية».
أيضا البلاغات التي قدمها عدد من المتضررين، كشفت عن أسماء جديدة متورطة في هذه الشركة، قيل إنها كانت تعمل داخل الشركة أو تتولى مهام التسويق والتعاقد مع العملاء، من بينها شخص اسمه ص، وهو المسئول عن فرع الشركة بالقاهرة، وتم القبض عليه، ومحبوس حاليا على ذمة القضية، بالإضافة إلى ستة آخرين محبوسين الآن على ذمة القضية.
وأكد أصحاب البلاغات أن بعض هؤلاء الأشخاص، كانوا يتولون استقبال العملاء أو تحرير العقود أو استلام المبالغ المالية، أو التواصل مع المستثمرين، وهذه الادعاءات حاليا محل تحقيق من قبل الجهات المختصة.
متى نتعلم؟
في زمن أصبحت فيه التطبيقات البنكية على بُعد ضغطة زر، وتتنافس البنوك الرسمية على جذب المدخرات بعوائد معلنة وتحت رقابة الدولة، يبدو من الصعب تصديق أن آلاف الأشخاص ما زالوا يفضلون تسليم أموالهم لشركات خاصة أو أفراد مقابل وعود بأرباح استثنائية.
لكن ما حدث في ملف هذه الشركة يعيد طرح السؤال القديم الذي يتكرر منذ عقود: لماذا ينجذب الناس إلى الوعود السريعة رغم عشرات الوقائع السابقة التي انتهت بخسائر ضخمة للمدخرين؟
فمنذ ثمانينيات القرن الماضي، عرفت ظاهرة شركات توظيف الأموال التي جمعت مليارات الجنيهات من المواطنين تحت شعارات الاستثمار والربح المرتفع، قبل أن تنفجر أزمات شهيرة ما زالت حاضرة في الذاكرة العامة حتى اليوم.
ورغم تغير الزمن وتطور وسائل الرقابة والاتصال، فإن الآلية النفسية تبدو متشابهة في كل مرة: وعد بعائد أعلى من السوق، قصص نجاح يرويها مستثمرون سابقون، مكاتب فاخرة تمنح شعورًا بالثقة، وسيل من الشهادات التي تدفع المزيد من الأشخاص إلى الدخول بأموالهم أملاً في تحقيق مكاسب سريعة.
وفي عام 2026، لم يعد السؤال كيف استطاعت شركة أو مجموعة أشخاص جمع الأموال من المواطنين، بل كيف اقتنع هذا العدد من الأشخاص بتسليم مدخراتهم خارج المنظومة المصرفية الرسمية رغم كل ما شهدته البلاد من تجارب مشابهة؟ وكيف تحولت الثقة الشخصية والعلاقات الاجتماعية إلى بديل عن الضمانات القانونية والرقابية؟ وكيف أصبح بعض الضحايا أنفسهم وسيلة لجذب ضحايا جدد عندما نقلوا تجاربهم الإيجابية الأولى إلى الأقارب والأصدقاء؟!
ومع تصاعد شكاوى المتعاملين مع شركة «أ»، والتي اتخذت من منطقة سيدي جابر بمحافظة الإسكندرية مقرًا لها، واتهام القائمين عليها بعدم الوفاء بالتزامات مالية تعاقدية، والتوقف عن سداد مستحقاتهم، قبل أن يُغلق المقر الرئيسي للشركة، وينقطع التواصل مع المسئولين عنها.
الوثائق والشهادات هنا، تكشف صورة معقدة تتجاوز مجرد خلاف مالي بين شركة وعملاء، فهناك عشرات البلاغات، ومئات الشهادات، وآلاف الرسائل المتبادلة بين متعاملين يؤكدون أنهم سلموا أموالهم للشركة بناءً على عقود ووعود بعوائد دورية، قبل أن تبدأ – بحسب رواياتهم – مرحلة التأخير والمماطلة ثم توقف السداد وانقطاع التواصل وإغلاق المقرات.
وبينما تؤكد مجموعة من المتضررين أنهم تعرضوا لخسائر مالية جسيمة وأضرار اجتماعية ونفسية، لا تزال الوقائع محل تحقيق أمام الجهات المختصة التي تعمل على فحص المستندات والعقود وسماع أقوال جميع الأطراف للوصول إلى الحقيقة الكاملة.
معاناة
بعيدًا عن أرقام القضايا والمحاضر، تكشف شهادات الضحايا عن معاناة إنسانية قاسية، سيدة تقول إنها حصلت على قرض وأودعت أموالها لدى الشركة أملاً في تحسين أوضاعها المعيشية، لكنها أصبحت عاجزة عن سداد التزاماتها الشهرية، وتروي أخرى: «بدأت أستلف عشان أسدد القرض.. حالتي صعبة جدًا، وضحية آخر يقول: «إحنا مش عايزين أرباح.. إحنا عايزين أصل فلوسنا بس».
وتتكرر في شهادات كثيرة عبارات تكشف حجم الضغوط التي يعيشها المتضررون، خاصة من لديهم أبناء أو التزامات أسرية أو من أودعوا مدخرات العمر كاملة في تلك الاستثمارات.
ومع اتساع دائرة المتضررين، بدأ الضحايا في تنظيم أنفسهم عبر مجموعات على تطبيقات التواصل المختلفة لتبادل المستندات والمعلومات القانونية ومتابعة التطورات، وتحولت هذه المجموعات تدريجيًا إلى غرف تنسيق لمتابعة البلاغات والمحاضر المقدمة أمام جهات التحقيق، ووفقًا للمعلومات المتداولة بين المتضررين، تم تحرير بلاغات ومحاضر في أكثر من جهة، كما يجري اتخاذ إجراءات قانونية مختلفة من جانب المتضررين لاسترداد حقوقهم وإثبات مطالباتهم المالية.
تتضمن البلاغات المقدمة من المتضررين اتهامات تتعلق بالنصب والاحتيال وخيانة الأمانة وتوظيف الأموال بالمخالفة للقانون، وهي اتهامات لا تزال محل تحقيق وفحص من الجهات المختصة.
وبحسب العقود والمستندات المتداولة بين المتضررين، كانت الشركة تعمل تحت اسم «أ»، واتخذت من أحدالأبراج بمنطقة سيدي جابر في الإسكندرية مقرًا لها.
ويؤكد عدد من العملاء أنهم أبرموا عقودًا مع الشركة خلال فترات مختلفة، وسلموا مبالغ مالية متفاوتة مقابل وعود بعوائد دورية، مع التزام برد أصل المبلغ في مواعيد محددة وفقًا للعقود المبرمة.
وأظهرت المستندات المتداولة بين المتضررين وجود تحركات قانونية متعددة، من بينها القضية رقم 590 لسنة 2026 جنح اقتصادي سيدي جابر، إلى جانب محاضر وشكاوى أخرى في القاهرة ومحافظات مختلفة.
وتوجه عشرات المتضررين إلى النيابات المختصة لتقديم مستنداتهم وعقودهم وإثباتات التحويلات المالية والمراسلات المتعلقة بالتعاقدات.
هنا، تحولت شركة «أ» خلال أشهر قليلة من مشروع استثماري جذب مئات المتعاملين، بحسب روايات الضحايا، إلى ملف قانوني واسع تتداوله النيابات والمحاكم، وبين عقود واستثمارات وشهادات متضررين وبلاغات رسمية، يبقى السؤال الأهم: أين ذهبت الأموال؟ هذا ما سوف تجيب عنه التحقيقات والأحكام القضائية النهائية.
اقرأ أيضا: سقوط محتال انتحل صفة موظف خدمة عملاء للنصب على المواطنين
أساتذة الطب النفسي والاجتماع والقانون يحللون حادث حدائق الأهرام
قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين: الطلاق للهجر والمواريث والاستزارة.. أهم ماهو مطروح للمناقشة
حرق.. اختراق خصوصية.. فضائح| جنون الترند مستمر





