على خشبة مسرح «نهاد صليحة» بأكاديمية الفنون نجح العرض المسرحي «على كيفك ميل» في استعادة روح المسرح المصري الجماهيري، مستمدًا طاقته من أجواء حقبة تسعينيات القرن، حيث تمتزج الكوميديا بالدراما الاجتماعية وتلتقي الحكايات الإنسانية البسيطة بقيم الحب والوفاء والأمانة في عمل يراهن على الدفء الإنسانى أكثر من رهانه على الإبهار التقني.
منذ اللحظات الأولى للعرض يجد المتفرج نفسه أمام منزل متصدع وآيل للسقوط لا يمثل مجرد مكان للأحداث، بل يتحول إلى رمز بصرى لحياة أسرة مصرية بسيطة تواجه ضغوط الفقر واغتراب الأب وعدم الاستقرار، وقد جاء الديكور الذى أشرف عليه مهندس الديكور هادي جمال معبرًا بذكاء عن هذه الحالة، حيث انتشرت الشقوق والتصدعات فى الجدران لتجسد هشاشة الواقع الذى تعيشه الأسرة، بينما بقيت الروابط العائلية أكثر صلابة من جدران المنزل نفسها.

■ مشاهد من مسرحية على كيفك ميل
◄ أجواء التسعينيات
لكن أحد أجمل رهانات العرض تمثل في استدعاء أجواء التسعينيات المصرية بكل تفاصيلها المحببة التي تغوص باحترافية في أعماق النوستالجيا، حيث امتلأت الخشبة بعناصر بصرية أعادت الجمهور إلى تفاصيل وروح تلك الحقبة، ما بين جهاز التلفزيون التقليدي الكبير إلى جهاز الكاسيت الذي اشتهرت به البيوت المصرية فى ذلك الوقت، مرورًا ببوسترات نجوم ورموز المرحلة مثل عادل إمام وإيهاب توفيق، والدكتور مصطفى محمود كأن العرض يوجه رسالة حب إلى جيل كامل عاش تلك السنوات.
ولم يقتصر الأمر على الديكور فحسب، بل امتد إلى اختيار الأغاني والموسيقى المصاحبة، فضلًا عن الإشارات إلى برامج تلفزيونية شكلت جزءًا من الذاكرة المصرية مثل "نادى السينما" و"عالم الحيوان"، ما أضفى على العرض حالة من الحنين الجميل دون أن يتحول إلى استعراض مجانى للماضى.

■ مشاهد من مسرحية على كيفك ميل
تدور أحداث المسرحية حول أبٍ «أدى دوره الفنان رفيق القاضي» قضى سنوات طويلة من عمره يعمل فى إحدى دول الخليج سعيًا لتأمين مستقبل أسرته، بينما تعيش زوجته وأبناؤه داخل منزل مهدد بالانهيار والإخلاء، وبينما تحاول الأسرة التمسك بحياتها رغم الظروف الصعبة تنشأ عدة قصص حب متوازية، أبرزها قصة الابن الأكبر "مختار" الذى يقع فى حب "ناني شاكر" ابنة رجل أعمال ثرى يرفض ارتباطها بشاب من طبقة اجتماعية أدنى.
أما النص الذى شاركت فى كتابته سعاد القاضي ومحمود وحيد، فلا يتوقف عند حدود الصراع الطبقى أو المشكلات الاجتماعية التقليدية، بل ينسج حبكته حول سلسلة من المفارقات الكوميدية التى تبدأ مع عودة الأب من الخليج حاملًا تحويشة العمر ومبلغًا ماليًا كبيرًا ائتمنه عليه صاحب العمل لتسليمه إلى آخر فى مصر، غير أن خطأً حدث فى المطار يؤدى إلى استبدال حقيبة الأب مع حقيبة مماثلة كانت بحوزة مسافر آخر، لتبدأ بعدها سلسلة من المواقف الكوميدية والدرامية المتشابكة التى تقود الأحداث إلى مسارات شائقة غير متوقعة.
ويُحسب للعرض قدرته على الحفاظ على توازن دقيق بين الكوميديا والتراجيديا، فبينما كانت مواقف كوميدية تثير موجات متتالية من الضحك داخل القاعة، نجحت لحظات أخرى فى انتزاع التصفيق والتأثر من الجمهور، خصوصًا تلك المرتبطة بمعاناة الأسرة وخوفها من فقدان المنزل أو ضياع سنوات الكفاح الطويلة.
وفى الجانب التمثيلى، قدم الفنان محمود وحيد أداءً لافتًا فى دور "مختار"، مستفيدًا من شخصية مكتوبة بعناية تجمع بين الطموح والبساطة وخفة الظل، كما أنه تمكّن من قيادة الخط الدرامى الرئيسى بثقة، خاصة فى المشاهد التى تجمعه بحبيبته أو تلك التى يتدخل خلالها لحل الأزمات المتلاحقة التى تواجه الشخصيات.

■ مشاهد من مسرحية على كيفك ميل
◄ اقرأ أيضًا | تخضع لعملية.. تفاصيل الحالة الصحية لـ «مريم سعيد صالح»
◄ أداء ناضج
أما الفنانة مريم سعيد صالح فقد كانت واحدة من أبرز مفاجآت العرض، ففى دور الأم الذى لعبته باحترافية قدمت أداءً ناضجًا ومتمكنًا عكس خبرة فنية كبيرة، ونجحت فى تجسيد نموذج الأم المصرية المكافحة التى تحملت أعباء الغربة والانتظار وتربية الأبناء فى غياب الزوج، وقدمت الشخصية بصدق وبساطة بعيدًا عن المبالغة، متنقلة بسلاسة بين المشاهد الكوميدية واللحظات الإنسانية المؤثرة لتصبح بحق أحد أعمدة العمل الأساسية.. كما نجح باقى فريق العمل فى خلق حالة من الانسجام الجماعى انعكست بشكل واضح على إيقاع العرض، وهو ما منح الشخصيات الثانوية حضورًا مؤثرًا وأسهم فى الحفاظ على حيوية الأحداث طوال مدة العرض.
◄ بطل خفي!
وفيما يتعلق بالإخراج اختارت سعاد القاضى أن تراهن على الحكاية والشخصيات أكثر من الرهان على الاستعراض أو المؤثرات، وهو اختيار بدا موفقًا فى معظم الأحيان، فقد حافظت على إيقاع سريع للأحداث وأحسنت استثمار المساحات المسرحية، كما نجحت فى تحويل المنزل المائل إلى بطل خفى يشارك الشخصيات أفراحها وأزماتها.
وعلى الرغم من أن بعض الحلول الدرامية فى نهاية الأحداث جاء أقرب إلى النهايات التقليدية التى تعتمد على انتصار الخير فى اللحظة الأخيرة، فإن ذلك لم ينتقص من متعة المشاهدة، بل انسجم مع طبيعة العرض الذى ينتمى بوضوح إلى المسرح الشعبى الاجتماعى القائم على بث الأمل والانتصار للقيم الإنسانية.
◄ حكاية مصرية
مسرحية "على كيفك ميل" لا تقدم خطابًا فلسفيًا معقدًا أو رؤية سياسية مباشرة، بل تقدم ما هو أكثر قربًا من الجمهور، وهو حكاية مصرية بسيطة وملهمة عن أسرة تكافح من أجل البقاء، وحب يتحدى الفوارق الطبقية، وأمانة تنجو بصاحبها من كارثة، وبيت يميل تحت وطأة الزمن بينما تظل القلوب التى تسكنه مستقيمة.
إنه عرض يذكرنا بزمن كانت فيه المسرحية تضحك الجمهور وتبكيه فى الليلة نفسها، وتجعله يغادر القاعة وهو يشعر بأنه شاهد حكاية تشبهه وتشبه الناس من حوله، وربما هنا تكمن أهم نقاط قوة "على كيفك ميل"، فالعمل يرتكز على صدقه وبساطته وقدرته على إعادة سحر التسعينيات إلى المسرح دون افتعال أو ادعاء.
رشوان توفيق: عبد الرحمن أبو زهرة كان «وليّا»
عوالم الفنان على سعيد
الفن يتنفس بين المحطات.. المترو يعزف والقاهرة تُغنّى تحت الأرض





