رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير التنفيذي : علاء عبدالهادي
القاهرة - 22 فبراير 2017
رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير التنفيذي
علاء عبدالهادي

أين نحن؟ وإلى أى اتجاه خطونا؟ وما هى غاية الطريق

الخميس , 16 فبراير 2017 - 07:56 مساءٍ

الأستاذ محمد حسنين هيكل
الأستاذ محمد حسنين هيكل

يكتبها اليوم :محمد حسنين هيكل

الإثنين:

أسئلة، ما أظن الحوادث أجابت عليها من قبل، بمثل الفصاحة والبلاغة التى أجابت بها هذا الأسبوع.

قبل أيام تدافع عدد كبير من مراسلى الصحف إلى مبنى ماركونى، كل منهم يريد أن يبث قصة ظنها مثيرة، وظن دلالتها خطيرة.

قصة أن وزارة الداخلية المصرية اعترضت على فيلم أمريكى يصور حوادث الثورة فى المجر.. ولم تصرح بعرضه فى دور السينما فى مصر.

وحجة وزارة الداخلية أن شعب مصر مشغول بما حدث له فى بور سعيد، عن الذى حدث لغيره فى بودابست.

وحجتها أيضاً أن حوادث الثورة فى المجر صاحبتها دعاية مقصودة منظمة، وإلا فلماذا لم تنل حوادث بورسعيد نصف أو ربع أو عُشر الذى نالته حوادث بوادبست - هذا إذا كان الأمر مجرد القيمة الإخبارية والإنسانية فى كل منهما.

إن أفلاماً كاملة، تستغرق العرض كله، تزحم دور السينما فى أمريكا مثلاً، هذا بينما لم تعرض دار واحدة فى كل هذه القارة الشاسعة صورة واحدة لما حدث فى بورسعيد أو سيناء.

ولكن معظم مراسلى الصحف، الذين تدافعوا إلى مبنى ماركونى لم يأخذوا الأمر بهذه البساطة.. وراح كل منهم يحاول أن يجعل الظروف تحتمل ما لا تطيق.

كانت برقياتهم، تهز رؤوسها فى خبث، وكأن الداهية الخارقة الذكاء، قد كشفت المستور وغاصت فى البحر إلى الأعماق ولم تعد تخفى عليها خافية!

آه!

إن مصر لا تريد أن تغضب الشيوعيين.

إن رقباء الأفلام فى وزارة الداخلية روس!

كذلك كانت لهجة البرقيات!

واليوم حدث شئ جديد.

تدافع عدد كبير من مراسلى الصحف إلى مبنى ماركونى.

نفس العدد من الصحفيين.. فى نفس المبنى.

ولكنهم كانوا يهرشون رؤوسهم من الحيرة.

القصة - مرة أخرى - متعلقة بالاعتراض على فيلم.. بل خمسة أفلام.

ووزارة الداخلية المصرية نفسها هى جهة الاختصاص التى اعترضت على الفيلم... بل الخمسة أفلام.

ولكن الأفلام هذه المرة كانت روسية.

كان قد أعلن فى مصر عن أسبوع للسينما الروسية.

ومن الإنصاف أن يقال على الفور أن السفارة الروسية لم تكن هى التى أعلنت، وإنما كان الإعلان من مؤسسة تجارية تصرفت فى الأمر على هواها.

وتحدد موعد العرض.. وجاءت الأفلام.

وإذا وزارة الداخلية تعترض.

وحجتها أن هذه الأفلام دعاية شيوعية مذهبية.. والترويج للمذهب الشيوعى فى مصر ممنوع.

إن صداقتنا هى لدولة عظيمة، اسمها الاتحاد السوفيتى، وعاصمتها موسكو، أما المذهب الشيوعى، الذى نبيه كارل ماركس فشئ آخر.

ولكن المراسلين الذين كان الخبث يملأ عيونهم حين اعترضت وزارة الداخلية على فيلم المجر، والذين كانت الحيرة تملأ نفس العيون حين اعترضت وزارة الداخلية على عرض الأفلام الخمسة الشيوعية.. أثبتوا أنهم فى الحالتين لا يعرفون شيئاً عن الحقيقة فى مصر.

إنهم يجرون ويلهثون.. ويتصبب منهم العرق.. ولكن وراء المظاهر السطحية للأمور.

مظهر سطحى يدفعهم إلى أقصى اليسار.

ومظهر سطحى آخر يطوح بهم إلى أقصى اليمين.

والحقيقة ضائعة فى الحالتين!

ولكن ما هى الحقيقة؟

ذلك سؤال أجابت عليه الحوادث بفصاحة وبلاغة هذا الأسبوع.. بل هذا الصباح نفسه!

بالأمس أذاعت الولايات المتحدة الأمريكية أنها قررت أن تزود قواعدها فى أوروبا الغربية، وفى تركيا وإيران بالأسلحة الذرية.

وصباح اليوم أذاع الاتحاد السوفيتى تحذيراً إلى الدول التى تستخدم الولايات المتحدة قواعدها وتزودها بالأسلحة الذرية - بأن قبولها لهذا الوضع سوف يعرض بلادها للضرب بالأسلحة الذرية والقذائف الموجهة.

هذه هى الحقيقة.

أمريكا فى ناحية بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة.

وروسيا فى ناحية بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة.

وغداً أو بعد غد، أو بعد شهر أو سنة، أو من يدرى متى؟

قد تمتد الأيدى إلى الأزرار وينطلق الجحيم عبر السماء طائراً من هنا وهناك!

وماذا يصنع الذين لا تضم مخازنهم قنابل ذرية أو قذائف موجهة؟

هناك دول تريد أو تريد حكوماتها على الأقل - أن تكون بلادها ميادين للصراع ووقوداً للجحيم.

وهذا شأنها!

وهناك دول أخرى لا تريد لنفسها هذا المصير.

إنها لا تريده للدنيا كلها أولاً - ومن هنا تحاول جهدها أن تخفف التوتر العالمى، وتدعو إلى محاولة تفاهم يتيسر معه العيش فى سلام.

ذلك أقصى مناها.

ولكن اليأس يدفعها فى كثير من الأوقات - وبينها هذا الوقت العاصف الذى تعيش فيه - إلى أن تطلب السلامة لنفسها على الأقل، مادام قد عز عليها وبعد، أن تطلب السلامة للجميع!

ومصر بين هذه الدول.

إنها لا تريد حرب قنابل ذرية وقذائف موجهة تقلب وجه الأرض كله.

ذلك أقصى مناها..

ولكن إذا استحال هذا الأمل الكبير، فرجاء مصر بعد ألا تتحول أرضها هى - إلى ميدان قنابل ذرية وقذائف موجهة!

ذلك سبب من الأسباب التى تجعل مصر تنفر من سياسة الأحلاف العسكرية!

نحن لا نسمح لأمريكا أن تنشئ قواعد عسكرية فى بلادنا، كقواعدها فى العراق وتركيا مثلاً - لأننا لا نريد أن توجه روسيا إلى هذه القواعد القابعة فى بلادنا قنابلها الذرية وقذائفها الموجهة.

وعلى نفس المقياس نحن لا نسمح لروسيا أن تنشئ قواعد عسكرية فى بلادنا.

وهى لم تطلب ذلك على أى حال - لأننا لا نريد أن توجه أمريكا إلى هذه القواعد القابعة فى بلادنا قنابلها الذرية وقذائفها الموجهة!

وإذا كان دخول نورى السعيد فى حلف بغداد مثلاً يرضى أمريكا، بينما مقاومة جمال عبد الناصر لهذا الحلف الذى يهدف إلى إحكام نطاق الحصار بالقواعد العسكرية حول روسيا - يغضب أمريكا - فذلك حقها.

حقها أن ترضى.

وحقها أن تغضب!

ونحن فى مصر، لا نريد حقيقة أن نتعرض لغضب أمريكا، ومن أمانينا أن تكون بيننا وبين أمريكا يوماً من الأيام علاقة طيبة.

ولكن إذا كان ثمن رضا أمريكا - والعلاقة الطيبة معها - أن تكون فى بلادنا قواعد عسكرية لها أو لأحلافها تعرضنا لحرب القنابل الذرية والقذائف الموجهة - فلتعذرنا أمريكا إذا قلنا لها بهدوء ومن غير مرارة:

شكراً... إن الثمن غال، وليس فى طاقتنا أن ندفعه!

لنترك أفكار الحرية، ومبادئها، وأغانيها المجنحة.

نترك هذا كله ونتحدث بلغة الصفقات، فربما كان ذلك أقرب إلى منطق أمريكا.

إن الصفقة.. هكذا.

رضا أمريكا وفوقه مائة مليون دولار، وهو رقم يشطح على أى حال مع عرائس الأحلام.. ومع ذلك.. ليكن!

تلك كفة من الميزان؟

وفى الكفة الثانية قنابل ذرية وقذائف موجهة لا نعلم متى تنصب فوق رءوسنا!

رأيى الخاص - وما أظن أحداً يستطيع أن يتهمنى بالشيوعية - هو أنها صفقة خاسرة.

إننا نريد صداقة أمريكا.

صداقة تجارة نعم... وصداقة ثقافة نعم... وصداقة فهم نعم ونعم.

ولكننا لا نريد صداقة شرطها الأول قاعدة عسكرية.

لا...

لا مهما كان مبلغ المعونة الأمريكية مقدراً بالدولارات.

تلك رغبة شعب صغير.. ليس بين مطامعه أن يسيطر على الكرة الأرضية بأسرها... فلماذا يدفع ثمن مطامع غيره..؟!

لقد كان من سوء حظى أو حسن حظى - لا أدرى - أننى زرت فى يوم من أيام يناير سنة 1953 مدينة هيروشيما التى كان من نصيبها أن تكون أول بقعة على الأرض تلتقى وجهاً لوجه بالقنبلة الذرية.

وكانت القنبلة الذرية فى بداية عمرها ولم تكن قد وصلت إلى الذى وصلت إليه الآن والذى يقدره العلماء بأنه أقوى - أى أشد تدميراً - مما كانت عليه القنبلة أيام هيروشيما بألف مرة على الأقل!!

ولقد قُتل فى هيروشيما 168000 شخص من تأثير هذه القنبلة التى كانت يومها فى بداية عمرها وأصبحت الآن أقوى مما كانت ألف مرة على الأقل!

ولقد تقدم إلىّ، وأنا واقف أتفرج على بؤرة الانفجار فى هيروشيما، شاب يابانى يحمل مجموعة من تذكارات انفجار القنبلة الذرية يبيعها للزوار.

وعرض علىّ اليابانى أنواعاً من التذكارات رأى أنها لم تثر حماستى، فإذا هو يقدم لى زجاجة صغيرة فيها حفنة رماد.. ثم يقول لى:

هذه بقايا طفلة صغيرة لم يبق منها إلا هذا الرماد.. هل تحب أن تشتريها وتحتفظ بها فى بيتك وتقول إن لديك رماداً ذرياً لطفلة من هيروشيما.. إن الثمن رخيص.. ألف ين فقط!

وتأملت الرماد الحزين، ثم هززت رأسى وقلت:

شكراً.. إن ثمنه غال بالنسبة لى.

ولم يفهم بائع التذكارات اليابانى فى هيروشيما فعاد يقول:

خذها بخمسمائة ين فقط.. ها هى.

ومرة ثانية هززت رأسى وقلت:

شكراً.. مازال الثمن غالياً.. لست أقصد الثمن بالين اليابانى.. حتى لو أعطيتنى الرماد من غير ين واحد.. سأظل أرى أن الثمن غال.. هل فهمتنى؟

ولم يبد عليه أنه فهم.. ولكنه مضى إلى حال سبيله على أى حال؟

ولست أريد أن أناقش ظروف إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما.

ولا هو من شأنى أن أُعلم أمريكا أو روسيا مبادئ الأخلاق والإنسانية.

ولكن من حقى أن أتمنى - وأعمل على تحقيق ما أتمنى بكل ما أملكه وهو قلمى - حتى لا يتعرض وطنى لتجربة كتجربة هيروشيما.. أو أشد ألف مرة!

إننى - وكثيرين غيرى فى مصر - نريد صداقة أمريكا.

إننى - وكثيرين غيرى فى مصر - نريد صداقة روسيا.

ولكننا جميعاً، لا نريد أن نشترى الصداقة بالقواعد العسكرية تتجمع فيها القنابل الذرية والقذائف الموجهة.. ثم ننتظر ضغطة على زر من واشنطن أو من موسكو.

لقد بدأت هذا الحديث بثلاثة أسئلة.. فهل استطعت أن أستخلص إجابة الحوادث هذا الأسبوع عليها.

لقد تساءلت:

أين نحن؟

وإلى أى اتجاه خطونا؟

وما هى غاية الطريق؟

ومن عجب أن الإجابة عليها.. هى الثلاثة.. كلمة واحدة هى: مصر.

نحن فى مصر.. ومصر اتجاه خطونا.. ومصر غاية الطريق!

إننى أحب طفلى الصغير.

ولست أريد أن يوضع رماده فى زجاجة صغيرة ليباع لطالبى التذكارات بعد حرب بالقنابل الذرية والقذائف الموجهة!

نعم.. لست أريد وملايين الآباء مثلى لا يريدون!

هل هذا واضح؟!

الثلاثاء:

يظهر أنه سوف يجئ الوقت الذى تدخل فيه القرود مدرجات كلية الطب، لتلقى على طلبتها دروساً فى الحكمة التى لم يصل إليها «أبو قراط».

ويظهر أن انتظار هذا الوقت لن يطول، بعدما تبين أن القرود تعرف من أسرار العقاقير - ما راحت عيون البشر تتأمله فى دهشة وذهول.

ذلك هو الاكتشاف الذى عاد به المليونير عبد اللطيف أبو رجيلة من رحلة أخيرة له فى السودان.

قال لى أبو رجيلة اليوم فى اقتناع ويقين:

أنا أستطيع أن أقسم أن القرود تفهم فى الطب... وتفهم فيه بعمق كذلك!

واستطرد أبو رجيلة:

إذا أنا أنكرت هذا فسأكون كالذى ينكر شيئاً رآه بنفسه... بعينه!

ثم بدأ المليونير يروى القصة:

كنت أزور أحد المشروعات الجديدة قرب خزان سنار.

ومشيت مع صاحب المشروع نتحدث فى الزراعة وكان بين ما قاله لى «أن أكثر ما يهدد محصولاته هو قبيلة من القرود الكبيرة من نوع الميمون تقوم بغارات منظمة على حقوله فتلتهم كل ما فيها... أو تفسد ما لا تلتهمه!».

ثم قال لى صاحب المشروع:

إن اليوم هو اليوم الحاسم فى علاقتنا بقبيلة القرود فلقد وصف لى أحد الخبراء نوعاً من السموم نثرناه على المحاصيل وحين تجئ القرود لالتهام المحاصيل لن تدرى أنها تلتهم معه حتفها وقدرها المحتوم!

واستطرد المليونير أبو رجيلة يقول لى:

وقضيت الليلة فى المزرعة، واستيقظت فى الفجر على صراخ وعويل وأسرعت إلى الخارج أستطلع الأمر وإذا بى أرى فى هذه الفترة من الصباح الباكر، عشرات القرود تصرخ وتعوى وتتلوى.

وأقبل صديقى صاحب المزرعة يفرك كفيه فرحاً:

أكلت السم... أكلت السم!

وفجأة قفز من شجرة قريبة... قرد كبير وقف وسط القرود الصارخة العاوية المتلوية.

وكان القرد كبيراً بدرجة تلفت النظر وكان واضحاً أنه زعيم قبيلة القرود.

وطاف القرد الكبير... الزعيم بأفراد قبيلته التى أكلت السم... وكان الهم بادياً عليه والقلق.

ثم فجأة قام بحركة... والتفتت إليه جميعاً وسط آلامها.

ثم تقدمها وسارت من خلفه إلى دغل حشائش وبدأ يأكل.. وبدأت تأكل معه.

وقال صديقى صاحب المزرعة:

إن هذا النوع من الحشائش يصيب من يأكله بالإسهال!

وفرغت عملية الأكل فاتجه القرد الكبير إلى ترعة ماء ووراءه قبيلة القرود، ثم راح يشرب، وهى وراءه تعب الماء بظمأ لاح أن ماء الترعة كلها لن يرويه.

ثم توقفت عملية الشرب... وبدأت عملية «الإسهال»!

كل هذا وأنا وصديقى نرقب العملية بفضول مفتوح العينين من فرط الاستغراب!

وقال صديقى:

إن الإسهال سوف يسهل خروج السم من جوفها.. ولكنها ستموت من الإسهال!

ولم يكد يفرغ من عبارته حتى اتجه القرد الكبير إلى شجرة عالية ثم صعد عليها وبدأ يهزها بعنف وإذا ثمارها تتساقط على الأرض وإذا القرود المصابة بالإسهال - بعد السم - تقبل عليها تلتهمها بشراهة... وكنت أعرف هذه الشجرة وأعرف ثمارها التى تشبه المشمش... أن اسمها شجرة «العرديب».

وفجأة لقيت صديقى صاحب المزرعة يقول:

يا لها من مصيبة.

قلت: ماذا حدث؟

قال: هل تعرف خصائص ثمار العرديب.

قلت: لا!

قال: هى مطهرة ومقبضة!

وقد كان...

ما أن فرغت القرود من أكل ثمار «العرديب»، حتى توقف الصراخ والعواء والتلوى... وتوقف الإسهال أيضاً!

لقد كان علاج القرد الكبير لرعاياه التى أكلت السم علاجاً طبياً من الدرجة الأولى لحالة التسمم.

أعطاها حشائش للإسهال.

ثم ماء كثيراً من الترعة لغسل البطن.

ثم ختم بالعرديب.. دواء يطهر.. ويقبض.

وسكت أبو رجيلة ثم قال لى:

ماذا يستطيع أستاذ فى كلية الطب أن يفعل أكثر من هذا؟

  • 9 - 18 °C

  • سرعه الرياح :11.27
  • دولار أمريكى : 15.7478
  • يورو : 16.5955
  • ريال سعودي : 4.1991