«الضرائب»‬.. حينما يسمع المواطن تلك الكلمة يُصاب سريعًا بالقلق حتي وإن كان مسددًا لكل الضرائب المستحقة عليه، لكن بطبيعة الحال يكره المصريون الضريبة بشكل عام، ويخشونها دائمًا، ويسعي كثيرون منهم للتهرب منها حتي إن كانت واجبة عليهم.

من منا لم يتعامل يومًا مع التسوق الإلكتروني، مؤكدًا أننا صادفنا جميعًا هؤلاء التُجار الذين يتمتعون بقدر عال من الحرفية في أخذ كل ما في جيبك بإرادتك، لتجد نفسك تشتري وتدفع دون أن تُركز فيما أنفقته فالـ»‬كريدت كارد» أصبح في يد الجميع.

قد تكون اضطررت يومًا للحجز مع أحد المصورين المحترفين لتصوير يوم زفاف ابنتك لتتفاجأ بالسعر الذي قد يتخطي الـ20 ألف جنيه في ساعات محدودة، ربما لا تزيد عن ساعتين فقط، وبالتأكيد ستصاب العروسة التي ترغب في الحجز مع خبيرة التجميل بالانهيار حين تخبرها بأن مصاريف »‬مكياجها» ستتخطي الـ5 آلاف جنيه، تلك الأجور هي المتوسطة بين تلك الفئات فهناك مصورون يتخطي أجرهم حاجز الـ50 ألف جنيه، وخبراء تجميل يتخطون الـ20 ألف جنيه، وللأسف الجميع أصبح مُضطرًا للتعامل مع هؤلاء عبر الإنترنت. 
15 مليون متسوق
الرقابة غائبة والضمير بات منعدمًا عند هؤلاء الذين يستغلون حاجة الناس لهم، وقد تكون الأرقام صادمة لدي البعض، ولكن الحقيقة أن حجم مستخدمي مواقع التسوق الإلكتروني وصل إلي 15 مليون مصري بنهاية العام الجاري، وحجم التجارة بهذا القطاع بلغ 1.3 مليار دولار، هذا ما أكده الخبير الاقتصادي والرئيس التنفيذي لشركة »‬سوق كوم» عمر الصاحي، لافتًا إلي أن عدد مستخدمي الإنترنت في مصر وصل إلي 48% من إجمالي عدد السكان أي ما يقرب من 40 مليون مواطن.
الصاحي، لفت إلي أن عدد مستخدمي منصات التجارة الإلكترونية كان 9.25 مليون مستخدم في 2015،  ومتوقع أن يصل إلي 15 مليون مستخدم بنهاية هذا العام، وإلي نحو 20 مليون مستخدم في نهاية 2017.
وقال الصاحي، إن حجم التجارة الإلكترونية في مصر بلغ 770 مليون دولار في 2015، وسيصل إلي 1.3 مليار دولار بنهاية 2016، مشيرًا إلي أن عدد شركات التجارة الإلكترونية في مصر بلغ  نحو 144 شركة.
مورد اقتصادي
تلك الأرقام المشار إليها تُبرهن علي سيطرة التجارة الإلكترونية علي التجارة الحقيقية، وهذا ما أكده الدكتور رمضان صديق، أُستاذ التشريعات المالية والضريبية، مشيرًا إلي أن فرض الضرائب علي التجارة الإلكترونية سيشكل موردًا هامًا من موارد الدولة، لافتًا إلي أن تلك الضرائب ستزيد بصفة مستمرة وفقًا لحجم الأرباح التي يتم تحقيقها، وحجم التبادل التجاري الإلكتروني سنويًا، مؤكدًا أن هذا يتطلب وضع سياسة تحصيل تتلاءم مع طبيعة النشاط التجاري الإلكتروني.
وأوضح صديق، أن الإعفاء الضريبي للتجارة الإلكترونية يؤدي إلي التقليل من أهم موارد الدولة،  وذلك لأن الأفراد والمؤسسات أصبحوا يفضلون إبرام العقود والصفقات التجارية علي الإنترنت لنقص تكاليفها من حيث القيمة والزمن علي حد سواء.
تابع: »‬اقتصار الأنظمة الضريبية علي التعاملات التجارية التقليدية دون الإلكترونية يجعل منها أنظمة ضريبية محدودة الكفاءة، فضلًا عن صعوبة إسقاط وتطبيق القوانين المألوفة والجارية علي التجارة الإلكترونية، ويأتي ذلك في ظل غياب المفاهيم والقواعد الجبائية التي تأخذ في الحسبان الطبيعة الراديكالية الجديدة للتجارة الإلكترونية.
نشاط مشبوه
الدكتور فرج عبدالفتاح، أُستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، أكد أن ما يسمي بالتسوق والتجارة الإلكترونية يُعد نشاطًا مشبوهًا ولا بد من التدخل الحكومي الفوري لحل تلك الأزمة التي تتسبب في أضرار بالغة بالاقتصاد القومي. 
وأكد عبدالفتاح، ضرورة حصر جميع المتهربين من الضرائب ممن يعملون بهذا المجال وفحصهم جيدًا، ورصد حجم تجارتهم وأرباحهم، علي أن يتم محاسبتهم بأثر رجعي لما حققوه من أرباح ومكاسب غير قانونية، مشيرًا إلي ضرورة تفعيل قوانين الضرائب عليهم، وتابع: »‬قانون التجارة رقم 17 لسنة 1997 به العديد من النصوص التي يمكن تطبيقها علي التجارة الإلكترونية، ولكن تلك القوانين وما يماثلها مُعطلة بالأمر المباشر، ولا يتم وضعها في عين الاعتبار». 
من جانبها، أكدت الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة يمن الحماقي، أن التطور التكنولوجي المعاصر فرض نفسه علي المصريين، فلا يمكن لنا أن ننعزل عن العالم الخارجي، ولا بد من مواكبة تطورات العصر وألا نقف »‬محلك سر»، ولكن حين نُقلد الغرب علينا أخذ كل شيء منهم كانضباطهم والتزامهم في تسديد مستحقات الدولة، لافتة إلي أن التجارة الإلكترونية الأمريكية تخضع بشكل مُباشر للضرائب، فما المانع من تطبيق الأمر ذاته في مصر. 
تابعت: »‬أُخاطب الأجهزة المعنية بضرورة وضع قيود علي تلك التجارة لأنها تؤثر بالسلب علي حجم التجارة الفعلية، ومن ثم نشاهد غلق ورش تصنيع ومصانع وفي بعض الأحيان محال تجارية، فلماذا يضطر مالك المحل إلي أن يسدد الضرائب سنويًا ويدفع قيمة لإعلاناته ويسدد فواتير الكهرباء والمياه، في حين أنه من الممكن أن يُغلق نشاطه بأكمله ويتجه للتسوق عبر الإنترنت ليعرض بضاعته، وسيجد بالتأكيد من يشتريها؟!».
ويري بعض مستخدمي التجارة الإلكترونية أن فرض الضريبة عليهم سيُقلص من أرباحهم وسيهدد استمرار مشروعاتهم الصغيرة التي أسسوها بأنفسهم، وبمساعدة الإنترنت فقط، مُشيرين إلي أن فرض ضريبة ووضع رقابة علي هذا المجال يُعد كبحًا للنمو التكنولوجي، وعدم مسايرة لثورة الإنترنت التي يشهدها العالم.
التُجار يمتنعون
»‬ن.ع» خبيرة تجميل، ولديها صفحة تديرها عبر »‬فيسبوك»، وأخري علي »‬انستجرام»، تؤكد أن الأسعار التي يفرضها الـ»ميكب ارتست» عرض وطلب، وهناك من تضع لنفسها حدا لا تتخطاه، وأخريات يغيرن أسعارهن سنويًا، وهذا كله عرض وطلب، فمن لا تجد السعر يناسبها تبحث جيدًا لتجد الأرخص بالتأكيد، مؤكدة أنها لا تفرض سعرها علي أحد ولا تُجبر أحدا من العرائس علي التعاقد معها، ولفتت إلي أن وضع قيود علي هذا الـ»بيزنس» إعاقة للتقدم فضلًا عن أنها وزميلاتها غير مُجبرات علي دفع ضريبة للدولة فهن لا يمتلكن محلاً أو مكانًا مُرخصاً لهن، فمن غير المعقول أن تتحصل الدولة علي ضريبة نظير العمل علي الـ»فيسبوك».
أما عن الأرباح التي تُحققها فتؤكد أن متوسط الدخل لأي خبيرة تجميل لا يقل عن 50 ألف جنيه شهريًا، ويقل في موسم الشتاء، ويزيد في الأعياد ومواسم الأفراح، مُشيرةً إلي أن مستحضرات التجميل جميعها مستوردة ومرتفعة الثمن.
أما شيرين حمد، صاحبة صفحة لبيع المأكولات الجاهزة »‬البيتي» علي »‬فيسبوك»، فتؤكد أنها تُقدم خدمة جيدة لعملائها، وأنها اضطرت لممارسة هذا البيزنس لتحسين دخل أُسرتها، فضلًا عن أنها لا تمتلك مصدر رزق غيره، وقالت: »‬الحكومة مش سيبانا في حالنا يروحوا يدوروا علي أصحاب المحلات المُتهربين من الضرائب، إنما إحنا غلابة».
تدخل حكومي
رئيس مصلحة الضرائب، عبد المنعم مطر، أوضح أن المصلحة بصدد الانتهاء من حصر جميع الشركات التي تتعامل من خلال التجارة الإلكترونية، وذكر في بيان له أن التجارة الإلكترونية لها أنواع كثيرة علي حسب كل نشاط وحسب إمكانية الحصول علي البيانات الخاصة بها، ويوجد أنشطة خاصة بتجارة سلع مستوردة دخلت عن طريق الجمارك أو تجارة منتج محلي صنع داخل البلد من خلال مصنع مسجل في الضرائب العامة، بينما التجارة الإلكترونية الخاصة بالبرمجيات والخدمات غير الملموسة هي التي يتم البحث فيها الآن، وأن قانون القيمة المُضافة ينص علي التكليف العكسي، كما ينص علي أن المورد الأجنبي يكون له ممثل داخل مصر، ويسدد الضريبة المُستحقة علي هذه الخدمات أو أن مُتلقي الخدمة نفسه، هو الذي يُقر عنه ويسدد عنه الضريبة.
مطر، أوضح أن المصلحة لديها جهاز مُكافحة تهرب وجهاز حصر يتعامل مع التجارة العادية والتجارة الإلكترونية، ويتم حصر المُتعاملين بالطرق التي تتناسب مع كل نشاط منهم، وأن قانون القيمة المضافة ينص علي سداد ضرائب إلزامية علي التجارة الإلكترونية، تابع: »‬نعمل الآن علي وضع رؤية ذات خطة مُحكمة للقضاء علي هذا التهرب الضريبي، يتم تطبيقها علي 12 شهرًا، ويكون لكل شهر خطة خاصة به، علي أن تتم متابعة التنفيذ للخطط الموضوعة أولاً بأول».