كتبت-  أميرة شعبان
«57 عاماً» مرت أمس على بدء العمل فى السد العالي، ذلك المشروع العملاق الذى شيده المصريون فى أسوان على مدار 11 عاماً وسطروا به صفحات جديدة ومجيدة فى تاريخهم، ولم يكن مجرد مشروع ضخم لكن تعبير عن إرادة بلد قال إنه سيبنيه وبناه بيد وعرق أبنائه رغم كل التدخلات والمعوقات،كما كان أيضا حلم العالم العربى الحسن بن الهيثم الذى حالت دون تنفيذه فى وقتها أنه كان بمثابة تحقيق «المستحيل»،،هو ماعبرت عنه أغنية كوكب الشرق أم كلثوم: « كان حلما فخاطرا فاحتمالا ثم أضحى حقيقة لا خيالا».
كان السد العالى أحد مشروعات ثورة 23 يوليو الذى اجتمع حوله المصريون وأطلق الرئيس الراحل عبد الناصر شرارة العمل به فى التاسع من شهر يناير عام 1960 بحضور الرئيس الروسى نيكيتا خروتشوف،وأصبح من وقتها رمزا للصداقة المصرية الروسية،حيث شارك نحو 400 خبير سوفييتى المصريين فى العمل به، وتمكنوا خلال أربعة أعوام من العمل الشاق من إنهاء المرحلة الاولى منه عام 1964 ليتم تحويل مجرى نهر النيل لأول مرة بالتاريخ،هو المشروع الذى حكاه المطرب الراحل عبد الحليم حافظ فى أغنيته « حكاية شعب» والتى غنى فيها :» قلنا حنبنى وآدى احنا بنينا السد العالى..يا استعمار بنيناه بإيدينا السد العالى..من اموالنا بإيد عمالنا «.. وفيها :»الحكاية مش حكاية السد حكاية الكفاح اللى ورا السد».
وبرغم عدم وجود إحصائية واضحة عن عدد العاملين المصريين بالمشروع إلا أن الأحد عشر عاماً التى شهدت أعمال البناء بأكملها جذبت الآلاف من العمال والمهندسين والفنيين من مختلف المحافظات ليتجانسوا معاً تحت هدف واحد وهو بناء أكبر محطة لتوليد الكهرباء من المياه بالشرق الأوسط، ومرت السنوات ليكتمل البناء ويتحقق الحلم ويتم افتتاح السد العالى رسميا بعد تثبيت آخر المولدات الكهربائية عام 1971 فى عهد الرئيس الراحل أنور السادات،وكما حفره المصريون من كافة المحافظات المصرية،فقد حفر السد فى سجلات التاريخ وقلوبهم وعقولهم ذكريات لن تمحى على طول الزمن.
ومن هؤلاء البناة يقول لنا الحاج محمود عبد العظيم 62 عاماً، من مواليد محافظة أسيوط، أن ذكريات العمل بالسد لاتزال محفورة فى ذاكرته ويستعيدها وكأنها حدثت أمس، حيث كانت البداية مع التحاق والده بالعمل بميناء السد العالى بأسوان نهاية خمسينات القرن الماضي، وترك مدرسته الابتدائية بكل ذكريات طفولته ليلتحق بمدرسته الجديدة بأسوان ليبدأ رحلة لم يعرف انها ستمتد حتى يستقر بالمحافظة ويرى أحفاده فيها،وأشار الحاج محمود إلى أن عشقه للزعيم الراحل عبد الناصر كان الدافع الاول له للالتحاق بالعمل فى المشروع بالرغم من صغر سنه، فعمل مع أحد المقاولين بالمشروع بنظام الأجرة اليومية، ويضيف : « تميزت منذ صغرى بمهارتى فى الكتابة بالخط العربى ومن هنا نلت شرف كتابة عدد كبير من لافتات الترحيب بالزعيم عبد الناصر وضيوفه فى فترات زيارته لموقع العمل»،مشيرا إلى ان تعلقه بالمشروع دفعه للالتحاق بمدرسة الصنايع ليتخرج فى قسم التبريد والتكييف بها ليلتحق بعد ذلك بكهرباء الوجهه القبلى داخل منطقة السد العالي.
ومن جانبها اعتادت جمعية بناة السد العالى طوال هذه السنوات اقامة احتفالات بمناسبة ذكرى تشييده بكل من القاهرة وأسوان ويقول لنا مصطفى بركات عضو جمعية بناة السد بأسوان ان كل عام يتم التجهيز لهذه الاحتفالية فيتم إرسال الدعوات لكافة من ساهموا فى بناء السد العالى من اهالى أسوان من مختلف المراكز والذى يصل عددهم لـ 120 مواطنا ما بين العامل والفنى والمهندس، ويتم تكريمهم فى هذا اليوم بشهادات تقدير.
وأضاف بركات ان أكثر ما يميز هذه الاحتفالية هى الذكريات التى يتجمع البناة حولها فيتبادلون القصص والطرائف التى لاتزال معلقة بذاكراتهم طوال هذه السنوات، موضحاً ان هناك من يجلب معه ابناءه وأحفاده وارشيف صور فوتوغرافية ترصد سنوات طويلة من العمل الشاق تحت الشمس الحارة أقصى جنوب أسوان،وأكد بركات أنه سيتم إقامة حفل بمقر الجمعية بأسوان يوم السبت القادم ليتم تكريم بناة السد المقيمين بالمحافظة، بينما أقامت أمس جمعية بناة السد بالقاهرة لقاء بدار الضيافة بجامعة عين شمس بحضور المهندسين والفنيين الذين شاركوا فى بنائه.