رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير التنفيذي : علاء عبدالهادي
القاهرة - 22 فبراير 2017
رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير التنفيذي
علاء عبدالهادي

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: دولة تستعيد شبابها.. وتتمدد

السبت , 07 يناير 2017 - 12:27 مساءٍ

الكاتب الصحفي الأستاذ ياسر رزق
الكاتب الصحفي الأستاذ ياسر رزق

الأمن القومى فى أبسط تعريفاته هو التنمية.

إذا زاد النمو، وغابت العدالة عن توزيع ثماره، انحسرت الشرعية عن النظام. وإذا ضعف النمو، اهتزت السلطة، وانكشف الأمن القومى للدولة.

هذا تقريباً ما لمسناه فى سنوات عديدة سبقت ثورة ٢٥ يناير، وفى سنوات معدودة أعقبتها.

<  <  <

الاستراتيجية فى أدق توصيف لها هى حشد كل الطاقات والموارد لتحقيق أهداف الدولة وحماية مصالحها العليا.

فإذا أهدرت بعض الطاقات والموارد، ولم يحسن استغلالها، أو إذا أسىء جمعها فى منظومة متكاملة، ووضعت فى اتجاهات متناقضة، انقطع الطريق لبلوغ أهداف الدولة، وتهددت مصالحها العليا.

هذا تقريباً ما نراه فى أى موقع.. فحين يغيب التخطيط الاستراتيجى يسود التخبط.

<  <  <

قوة الدولة يمكن حسابها بالأرقام. وهى حاصل جمع قدراتها الاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية والأمنية والاجتماعية والسياسية، مضروباً فى القدرة المعنوية لشعبها. وكلما ارتفع رقم المعنويات تضاعفت القوة الشاملة للدولة.. فإذا كانت المعنويات صفراً، أصبح حاصل كل ما هو مجموع من قدرات مختلفة يعادل صفراً، وصار ناتج قوة الدولة الشاملة مجرد صفر!.

هذا تقريبا.. ما نطالعه فى سير الأديان وقصص المعارك.

<  <  <

الدولة نفسها كائن حى. يولد ويشب ويشيخ. فإذا لم يعد إليه شبابه يمرض ويموت.

بعبارة أخرى.. مالم تتمدد الدولة، على الأقل بنفوذها وتأثيرها فى محيطها، ومالم تحتفظ بمناعتها، تنكمش وتتقلص وتتكالب عليها المطامع.

هذا تقريباً ما نستخلصه من درس التاريخ فى مصائر الأمم والشعوب.

<  <  <

ذلك هو حصاد ما تعلمته فى ١٢ شهراً دراسية بأكاديمية ناصر العسكرية العليا، منذ ٢٠ عاماً مضت.

وذلك ما ذكرتنى به عبارات وردت فى مداخلات الرئيس عبدالفتاح السيسى يوم الخميس الماضى، وفى كلمته أمس الأول أمام حشود المصلين فى الكاتدرائية المرقسية.

ربما وجد البعض فى هذه العبارات، عفو خاطر، أو تداعى أفكار، أو وحى مناسبة، لكنى أراها معالم طريق ودلائل مقصد.

<  <  <

يوم الخميس كان الرئيس يفتتح ميناء سفاجا بعد تطويره، ومنفذ أرقين البرى على الحدود مع السودان غرب النيل، ويعلن تدشين الأسطول الجنوبى أو الأسطول الثانى المصرى، ويعلن رفع العلم على حاملة المروحيات «جمال عبدالناصر» كبرى قطع هذا الأسطول فى البحر الأحمر، بينما تتصدر زميلتها «أنور السادات» قطع الأسطول الأول الشمالى فى البحر المتوسط.

تلك المشروعات التى اجتمعت بصدفة «مقصودة»، تعبر بدقة عن كل ما ذكرت من مفاهيم للأمن القومى والاستراتيجية والدولة الشابة التى تتمدد.

<  <  <

عبارة موجزة قالها الرئيس أثناء افتتاح تطوير ميناء سفاجا لزيادة طاقته عدة مرات:

«الدولة لا تنفق أموالا على المشروعات دون تخطيط أو رؤية». هذه العبارة تلخص فلسفة كل ما يجرى على أرض مصر.

أذكر عندما التقيت الرئيس السيسى حين كان مرشحا للرئاسة، أننى طالعت بسرعة ٣ ملفات كبرى تحمل عنوان «الحلم المصرى»، وتحوى رؤية الرئيس لصورة مصر الدولة المدنية الحديثة، واستراتيجية تحويل هذا الحلم إلى حقيقة على الأرض، وبرامج التنفيذ بكل المشروعات التى يجرى تشييدها على أرض مصر موقوتة بجدول زمنى وتكاليف مقدرة لكل مشروع ومرحلة.

والحقيقة أن هذه الرؤية لمستقبل مصر، سمعتها مجملة فى أحاديث شتى مع الرئيس حين كان مديرا للمخابرات الحربية ثم وزيرا للدفاع، وكانت تعكس حلم مواطن مصرى مخلص لبلده، يقوم على رؤى طموحة، وقناعة بالقدرة على تحقيقها، بحسن التخطيط وحشد الموارد واستنهاض الهمم..

هذه الرؤية أو الحلم المصرى، تجسدت فى تخطيط استراتيجى متكامل لمشروع بناء الدولة المصرية الحديثة.

هدف الرئيس السيسى محدد.. هو تحسين مستوى معيشة المواطن فى المأكل والمسكن اللائق والرعاية الصحية والتعليم الراقي، ورفع كفاءة الخدمات والمرافق، وتوفير فرص العمل للشباب والخريجين، وحماية مقدرات الشعب وأمنه وقدسية ترابه الوطنى وصون مصالحه العليا أينما وجدت.

باختصار.. هو إعادة بناء الدولة بكل مكوناتها، وحسن استغلال مواردها، وتحقيق العدالة فى توزيع ثمار النمو والتوازن فى التنمية بمختلف مناطق وأقاليم البلاد.

<  <  <

خريطة البلاد السياسية وحدودها الجيوبوليتيكية كانت فى ذهن الرئيس، وهو يحول الحلم إلى رؤية، والرؤية إلى تخطيط، والتخطيط إلى برامج، والبرامج إلى مشروعات.

إذا أردت زيادة متسارعة فى معدلات النمو والتشغيل، لابد من التوسع فى الصناعة والزراعة والتصدير.

وإذا أردت تشجيع الاستثمار لإقامة هذه المشروعات وتحقيق هذه الغايات، لابد من بيئة تشريعية محفزة مثل ما جرى فى قرارات المجلس الأعلى للاستثمار، ومشروع القانون الجديد. لابد من توفير الأراضى لمشروعات الصناعة والزراعة، ومصادر الطاقة من كهرباء وغاز طبيعى لتدور الآلات وتعمل المعدات، وإنشاء شبكة طرق تربط هذه المشروعات بالموانى والمطارات، وتحديث المنافذ البحرية والجوية والبرية لتستوعب حركة استيراد مستلزمات الإنتاج والاستهلاك وتصدير المنتجات الصناعية والزراعية.

لابد أيضاً من فكر جديد يحول المشروعات الصناعية والزراعية إلى مجتمعات عمرانية منتجة، لا بؤر معزولة فى مناطقها.

إذا أردت تخفيف الزحام والتكدس عن العاصمة ومدن الدلتا والصعيد، لابد من إنشاء عاصمة إدارية ومدن جديدة لتفريغ الكتل الإدارية والسكانية، والخروج من الوادى الضيق، ولابد من إقامة محطات مياه شرب وصرف صحى وكهرباء لهذه المدن الجديدة وإنشاء طرق جديدة تربطها بمحيطها.

لابد مع كل ذلك من رفع كفاءة شبكة الطرق بالبلاد لتحسين حركة انتقال الأفراد والبضائع فى كل أرجاء البلاد.

إذا أردت استغلال المناطق ذات الموقع الاستراتيجى فى البلاد والإمكانات الصناعية والزراعية والسياحية الواعدة كإقليم سيناء ومنطقة القناة، لابد من ازدواج قناة السويس وإنشاء شبكة أنفاق للسيارات والسكك الحديدية تربط سيناء بالوادى وإنشاء موانئ جديدة بهذه المنطقة تستوعب حركة التجارة استيراداً وتصديراً.

إذا أردت رفع مستوى معيشة المواطن، لابد من توفير فرص العمل الكريم له فى مشروعات مجزية، وإذا أردت تحسين مستوى الرعاية الصحية لأسرته والتعليم لأبنائه، لابد من توفير الموارد اللازمة لذلك، وهو ما لا يمكن أن يتحقق دون إقامة المشروعات وزيادة الإنتاج ورفع معدلات التصدير وبالتالى مضاعفة إيرادات الدولة من الضرائب والجمارك للإنفاق على الصحة والتعليم وغيرهما من الخدمات كالإسكان الاجتماعى، وتسكين قاطنى العشوائيات فى مساكن لائقة، وزيادة المعاشات الضمانية للأسر غير القادرة على الكسب.

<  <  <

تلك المعادلة المترابطة، كانت وراء تخطيط وتنفيذ كل ما نراه من مشروعات على أرض مصر، وفقا لرؤية واضحة ومخطط استراتيجى شامل، ودراسات تفصيلية دقيقة للموارد والقدرات والأولويات.

على سبيل المثال.. ما كان يمكن تطوير ميناء سفاجا، إلا بوجود مخطط لمشروعات يخدمها هذا الميناء، وما كان يمكن البدء فى هذه المشروعات دون توسعة طاقة الميناء ليوفر لها احتياجاتها من مواد خام ومستلزمات انتاج مستوردة، ويستوعب حجم البضائع التى سيتم تصديرها من ناتج هذه المشروعات.

بالقرب من ميناء سفاجا، سيتم تدشين مشروع المثلث الذهبى للصناعات التعدينية، وسيتم إنشاء ٤ مناطق صناعية للصناعات التعدينية والتجارية، وكذلك تطوير مدن القصير وقفط وأخميم وسفاجا.

وتحقق تلك المشروعات، وغيرها من مناطق صناعية ومدن جديدة فى صعيد مصر بدءاً من بنى سويف وحتى أسوان، بجانب مشروع المليون ونصف مليون فدان الزراعى الضخم الذى تقع معظم أراضيه فى مناطق الصعيد، طفرة كبرى فى تنمية جنوب الوادى وتوفير فرص التشغيل لأبنائه، وتحقيق العدالة فى النمو والتوازن فى التنمية بين أقاليم البلاد، وبالأخص إقليم الصعيد الذى عاش مهمشاً عقوداً طويلة.

كان لابد من ربط هذه المشروعات بميناء سفاجا، لذا تم إنشاء ورفع كفاءة طريقى (قنا- سفاجا) و(سوهاج- سفاجا)، بجانب البدء فى المشروع الضخم لإنشاء محور (٣٠ يونيو) الذى يبدأ من غرب بورسعيد إلى الحدود المصرية مع السودان عند حلايب، مروراً بمدن البحر الأحمر ومنها سفاجا.

<  <  <

الرؤية الاستراتيجية للتكامل العربى، وإحياء قلب نابض لهذه الأمة المضطربة مركزه فى مصر، ومحيطه فى ليبيا والسودان، كان وراء مشروعات ربط مصر بالبلدين الشقيقين، عن طريق منفذ قسطل مع السودان الذى تم افتتاحه مؤخراً، ثم منفذ أرقين إلى الغرب منه والذى افتتحه الرئيس يوم الخميس الماضى.

وبجانب منفذ السلوم الذى يربط مصر بليبيا عن طريق ساحل البحر المتوسط، سمعنا الرئيس السيسى وهو يتحدث عن منفذ جغبوب فى شمال الصحراء الغربية، وضرورة البدء فى إنشائه، وسمعت اللواء كامل الوزير رئيس الهيئة الهندسية يقول انه تم الانتهاء من إنشاء الطريق الذى يربط واحة الفرافرة بمنفذ جغبوب.

هذه الشرايين والمنافذ التى تربط قلب الأمة العربية فى مصر والسودان وليبيا، تنقل أمنيات التكامل وزيادة حركة التجارة وانتقال الأفراد وتدعيم الروابط الاستراتيجية بين الدول الثلاث إلى حيز التنفيذ، خاصة بعد تحسن الوضع السياسى والأمنى فى ليبيا الشقيقة.

<  <  <

إذا نظرنا إلى حاملتى المروحيات «الميسترال»، ومن قبلهما مقاتلات «الرافال»، ومن بعدهما الغواصات (٢٠٩)، ثم مقاتلات الميج الروسية فى منتصف هذا العام.. نجد فى الحصول عليها اتساقاً مع الرؤية الشاملة فى إقامة الدولة المصرية الحديثة، وفكر القيادة السياسية فى تأمين البلاد ومقدرات الشعب وحماية مصالحه الحيوية فى محيط الإقليم المصرى وخارجه.

أذكر حين ترك المشير السيسى منصبه كقائد عام للقوات المسلحة ليترشح لانتخابات الرئاسة، أن اللواء محمد العصار مساعد وزير الدفاع حينئذ قال لى إن ما تحقق من تطوير فى قواتنا المسلحة خلال قيادة المشير السيسى ما كان لأحد من العسكريين أن يتصور حدوثه قبل ١٠ سنوات.

وأذكر ما قاله لى الفريق يونس المصرى قائد القوات الجوية حين التوقيع على صفقة مقاتلات «الرافال» أنه لولا جهود السيسى وعلاقته الشخصية الوطيدة مع الرئيس أولاند، ما أمكن لنا الحصول على هذه الطائرات المتطورة بهذه التكلفة.

نفس الكلام سمعته من الفريق أسامة ربيع قائد القوات البحرية السابق حين تم التعاقد على الفرقاطة «تحيا مصر» طراز «فريم»، وحين وصلت الحاملتان «جمال عبدالناصر» و«أنور السادات».

يعرف السيسى وهو مغرم بالتاريخ العسكرى ودارس للاستراتيجية العسكرية فى مصر وبريطانيا وأمريكا، أن الردع يمنع الحرب، وأن الضعف يغرى بالعدوان.

يعلم السيسى أن حماية التراب الوطنى وصون القدرات الاقتصادية، ومد مظلة النفوذ السياسى والوفاء بالالتزامات القومية، كلها أمور ترتبط معا ارتباطاً وثيقاً بامتلاك قوات مسلحة حديثة ورادعة.

كان لابد من امتلاك حاملتى المروحيات لتأمين مصالح مصر وثرواتها فى مياهها الاقتصادية بالبحر المتوسط وغيرها.

كان لابد من إنشاء الأسطول الجنوبى وواسطة عقده الحاملة «جمال عبدالناصر» لتأمين مصالح مصر فى البحر الأحمر وما وراءه، والوفاء بالتزامات مصر فى الدفاع عن أمن دول الخليج العربى إذا تطلب الأمر.

وكان لابد من إنشاء قوة الانتشار السريع، ووحداتها عالية التدريب خفيفة الحركة وكثيفة النيران، للقيام بالمهام اللازمة فى مجابهة الإرهاب الذى يستهدف مصر حيثما وجد.

وكانت لحظة تدشين الأسطول الجنوبى ورفع العلم على الحاملة «جمال عبدالناصر»، نقلة جديدة فى الفكر العسكرى المصرى الذى ينبذ العدوان على الغير، ويقطع الطريق على أى عدوان يستهدف الإقليم المصرى أو المصالح الحيوية لمصر فى دوائر الأمن القومى المباشر والقريب.

<  <  <

يدرك الرئيس السيسى أن القدرة المعنوية هى أهم عناصر القوة الشاملة للدولة، وأن الروح المعنوية للشعب هى أقوى سلاح له فى مواجهة كل محاولات الاستهداف.

لذا لا يكف الرئيس عن ترديد عبارات الاصطفاف الوطنى وتوحد الصف، يسعى السيسى لاستنهاض الهمم وشحذ العزائم، ولعل فى انجاز مشروع ازدواج قناة السويس فى عام واحد بجانب أهميته الاقتصادية والاستراتيجية، عنواناً لهذا المعنى والهدف.

يتحدث السيسى عن البناء فى مواجهة محاولات التشكيك، وعن الأمل فى مواجهة دعاوى التيئيس والإحباط.

سمعناه يتكلم فى مناسبات عديدة آخرها أمس الأول فى الكاتدرائية المرقسية عن مصر الجديدة، مصر المحبة والسلام والأمان والاستقرار، التى علمت العالم، وستعلمه من جديد هذه القيم السامية.

يعرف السيسى قدر مصر، ويريد مع الشعب، أن يزيد منه ويرفع من شأنه.

ويعرف أيضاً أن كرامة الشعب هى أغلى ما يملك لذا كان دعاؤه فى ختام كلمته أمام المصلين فى الكاتدرائية: «اللهم اغن مصر وشعبها عمن سواك».

هذه هى مصر التى تستعيد شبابها، ويمتد تأثيرها.. وتتمدد.

  • 9 - 18 °C

  • سرعه الرياح :11.27
  • دولار أمريكى : 15.7478
  • يورو : 16.5955
  • ريال سعودي : 4.1991