ونحن نودع عام 2016 بخيره وشره ونستقبل بعد ساعات قلائل بمشيئة المولي تعالي عامنا الجديد، لن نكرر ما يقوله البعض إن ما كان ذهب وولي، أو إن الماضي لم يعد جزءا منا، فهذا كلام بعيد عن العلم، فالماضي جزءا مهما في تكوين الشعوب، بل ربما يكون أهم مكون لمستقبلهم. وحتي لا أبدو وكأنني أتحدث فقط، سأستشهد بوقائع حدثت في الماضي ولكنها تمثل لنا نبراسا أو رؤية للغد، غد أفضل انتظرناه ونتمني أن يبدأ اليوم، فما بين الماضي والحاضر أو المستقبل سنوات قليلة ستنقضي لنكون أمام أكبر تحدي في تاريخنا، الاقتصادي علي الأقل، فتاريخنا  وحاضرنا السياسي نحن راضون عنه وبانجازاته الضخمة التي يشهد بها القاصي قبل الداني، ويكفي أن ما سأتحدث عنه الآن فكرنا به منذ سنوات طويلة وكانت البحرين سباقة أو قاطرة لغيرها في تبني نفس الرؤية، وأقصد "رؤية 2030 الاقتصادية".
في أكتوبر من عام 2008، أعلن عاهل مملكة البحرين جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عن مباركته تدشين "رؤية مملكة البحرين الاقتصادية حتى العام 2030"، والتي تضمنت لأول مرة تقديم برنامج اقتصادي متكامل، و جاء في الوقت المناسب، إذ يحتاج المواطنون الي رؤية اقتصادية تدلهم على الطريق وسط ما يمر به العالم من متغيرات. ليس هذا فقط، فقد حدد الملك حمد الهدف والمبتغي من هذه الرؤية، أتعلمون من كان الهدف؟ أنه المواطن البحريني. وهنا أنقل عن جلالة الملك قوله في تدشين هذه الرؤية: "إن هذا البرنامج ملزم لجميع الدوائر الرسمية، مع ضمان حقها في مناقشة البرنامج وتطويره، لا عذر لأي شخص في العمل يسير لوحده خارج إطار الرؤية المطروحة، والهدف من هذه الرؤية الاقتصادية للعام 2030 هو المواطن، الفرد البحريني، فالتنمية التي لا يكون المواطن هدفها لا فائدة منها ولا نريدها".
لقد سبقت البحرين العالم في تبني رؤية اقتصادية مستقبلية تكون دليلا اقتصاديا للحكومة وتدلها على الطريق وسط ما يمر به العالم من متغيرات، وخصوصا أن الاقتصاد العالمي أصبح مترابطا علي المستوي الدولي، وأصبح ما يؤثر في غرب العالم يؤثر أيضا في شرقه وشماله وجنوبه. ليس هذا فحسب، ولكن قيادة المملكة وضعت المواطن نصب أعينها، وهذا لأنها تعتبره ثروتها الحقيقية.
ونحن نقترب من تاريخ تحقيق هذه الرؤية، ربما يتعين علي كافة أجهزة الدولة الاستعداد لها من الآن، والعمل علي تحقيق هدفها، وهو إسعاد المواطن البحرين كما حدد جلالة الملك وقت تدشينها، ولا ننسي هنا الهدف من "رؤية 2030" وهو زيادة دخل الأسرة الحقيقي الي أكثر من الضعف بحلول العام 2030، وهو ما أعلنه المسؤلون وقت إعلانها، لنصل الي مستوى معيشي أفضل لشعب البحرين نتيجة زيادة معدلات العمالة وارتفاع الأجور.. مع تهيئة السبل والفرص التي تضمن للمواطن الحصول على عمل محترم يمكنه من إعالة نفسه وأسرته بكرامة وعزة.
لقد اقتربنا زمنيا من تطبيق  رؤيتنا الاقتصادية العملاقة، ومن خلالها نطمح في الانتقال من اقتصاد قائم على الثروة النفطية إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة عالميا، ترسم الحكومة معالمه، ويتولى القطاع الخاص الرائد عجلة تنميته بشكل يوسع الطبقة الوسطى من المواطنين البحرينيين الذين ينعمون بمستويات معيشية عالية جراء زيادة معدلات الإنتاجية والوظائف ذات الأجور العالية.
حقا إنه الاقتصاد الذي سيدفع المجتمع والحكومة من تطبيق  مبادئ الاستدامة والتنافسية والعدالة لكي تتهيأ لكل مواطن بحريني السبل التي تمكنه من تجسيد قدراته الكاملة، وعيش حياةٍ كريمة وآمنة.
ويدفعنا الحديث عن "رؤية 2030" الي الحديث عن إيجابيات الحكومة الذكية أو الإلكترونية التي تلائم العصر الذي نعيشه حاليا..فتلك الحكومة تعني تطوير ونشر وتنفيذ السياسات والقوانين وإيجاد البنية الأساسية التي من شأنها تفعيل تقنية المعلومات والاتصال لإيجاد مجتمع معرفي تتوفر فيه خدمات ذكية آمنة وأكثر فاعلية وملائمة لفئات المجتمع المختلفة. وطالما نجح المجتمع في تحقيق هذا، فيمكنه إنجاز هذه الخدمات في أقل وقت وتكلفة ممكنة عن طريق استخدام المنافذ الذكية المختلفة . فالحكومة  الذكية تستخد تقنية المعلومات والاتصال لتطوير العلاقات مع المواطنين وقطاع الأعمال وبين مختلف الجهات الحكومية. وبالتالي، فهي توفر بنودا كثيرة من ميزانياتها العامة حيث أنها تخفض تكلفة الأموال بصورة كبيرة في إدارة إعمالها، عبر التطبيقات الذكية والتي تغنينا عن الذهاب الي الدوائر الحكومية المختلفة لتصريف شؤوننا، هذا ناهيك عن توفير الوقت أيضا. وثمة مثال بسيط علي إيجابيات الحكومة الذكية، يتمثل في توفير المال والوقت والجهد على جميع الأطراف المتعاملة بالحكومة الذكية، إضافة إلى تخفيض النفقات الحكومية، فبدلا من تشييد وبناء مبان قد تكلف الدولة ملايين الدنانير، يمكنها إنشاء مواقع إلكترونية آمنة للخدمات العامة بأقل التكاليف .
ومن مميزات الحكومة الإلكترونية أو الذكية، تطبيق مبدأ الشفافية والحد من البيروقراطية، حيث تسهل مهمة المحللين والجمهور العام في جميع أنحاء البلاد تقييم ومناقشة القرارات الحكومية، وهذا الأمر بدوره يرتقي بمستوى الشفافية الحكومية ويخول الجميع للوصول إلى المعلومات بحرية تامة، ويمنع الفساد بشكل فعال، حيث يستطيع المواطن الحصول على الخدمات في أي وقت خلال 24 ساعة يوميا من دون تدخل من جانب الموظفين، وفي هذه الحالة لا مجال لأي تعطيل للعمل من جانب الموظفين والمسؤولين في الحكومة .
ايجابيات الحكومة الذكية كثيرة والمجال لا يسمح بتعدادها، ومنها زيادة مشاركة المواطنين في عمل الحكومة، ويمكن أن يحدث هذا من خلال ربط جميع المواطنين في المملكة بحيث يتمكنون من إرسال واستقبال المعلومات بطريقة أكثر سهولة . والطريقة الأخرى تكون من خلال زيادة مشاركة الشباب في الحكومة، ويعلق بعض المدافعين عن هذه الفكرة بأن أجيال المواطنين الذين نشأوا مع الإنترنت والتقنيات الرقمية في حياتهم اليومية سيكونون أكثر اتجاها نحو المشاركة إذا كانت وسائل الاتصال تشبه الوسائل التي يستخدمونها في أنشطتهم الشخصية والمهنية، ويمكن بهذا المفهوم أن تزيد الحكومة الذكية من التفاعل بين المواطنين من خلال توفير الفرصة لتبادل المعلومات وتفاعل الأشخاص الذين يشتركون في الاهتمامات والأفكار والمخاوف بغض النظر عن البعد الجغرافي الذي يفصل بينهم .
وبما يتواءم أيضا مع الحكومة الذكية، فيتعين علينا تطبيق الحوكمة الرشيدة، وهو التعبير الذي طغي علينا خلال الفترة الماضية، حيث يستفيد منه  أعضاء المجلس والمديرين التنفيذيين في تحقيق الأهداف واتخاذ القرارات بأفضل الطرق، وهو يضمن أيضا الالتزام تجاه المنظمة والالتزام بالقوانين والأنظمة وحماية المصالح والموجودات، والأهم من كل هذا تحديد المسؤوليات والمهام بما يضمن نجاح المؤسسات  في الاستفادة من كافة مقدراتها، بما يعزز الثقة والمصداقية، هذا بخلاف  تبني بيئة وعلاقات عمل متميزة.
ولنا في مبادرات الشيخ محمد بن راشد رئيس وزراء  وزير دفاع الإمارات، قدوة حسنة في تبني المبادرات العديدة لإسعاد المواطنين، منها إستحداث وزارتي السعادة والتسامح في الإمارات، ويكفينا ما ذكرته عهود الرومي وزيرة السعادة الإماراتية :" تحقيق السعادة في الإمارات يشمل جميع فئات المجتمع وليس حكرا على المواطنين فقط"، ولم تكتف بالكلام، لأنها استعدت للمنصب بعمل إحصائيات ونظريات تؤكد كيف تسعد بها المواطن، لتؤكد أن الإمارات تطمح في نطوير معايير السعادة حتى تتمكن من قياس مستواها وتحققها للمجتمع.
وهنا أود أن أنقل جملة مهمة ذكرتها وزيرة السعادة في الإمارات، أتعلمون ما هي؟ إنها أبسط ما يمكن تحقيقه، بل حثها علينا ديننا الإسلامي الحنيف..أنه الترابط الاجتماعي، الذي يعد أهم عامل للسعادة.
لم يكتف الإماراتيون إستحداث وزارة للسعادة، بل  وضعوا ميثاقا وطنيا للسعادة والإيجابية ، وأكدت حكومتهم التمسك بخلق البيئة الأسعد لمجتمع الإمارات، بعد اعتماد برامج لتصنيف أكثر بيئات العمل سعادة وإيجابية في القطاع الحكومي والخاص.. لأن "السعادة مفتاح الإنتاجية" حسب وصف الشيخ محمد بن راشد، الذي اعتبر السعادة والإيجابية أسلوب حياة والتزام حكومي وروح حقيقية توحد المجتمعات وأن الإمارات في بداية مسار لتعلم كل يوم شيء جديد، بما يعني توفير الخير والرضا في المجتمع.
ومن السعادة الي التسامح الذي هو أيضا مبدأ من مبادئ الدين الإسلامي، فكان للإمارات السبق في تعيين  وزير الدولة للتسامح، تكون مهمته العمل علي  ترسيخ التسامح كقيمة أساسية في مجتمع الإمارات..هذا ما يعني أن كل مجتمعات العالم في حاجة الي المبادرات، ليست  التعليمية أو الاقتصادية او السياسية فقط، وإنما مبادرات مجتمعية أيضا، ليشعر كل مواطني أي بلد بأن حكومتهم تعمل من أجل إسعادهم ورفع مستوي معيشتهم.
وإذا كنا قد تحدث عن المبادرات الذكية والحكومة الإلكترونية، فيتعين علينا الحديث ولو بسرعة عن "العولمة"، هذه الصيحة العالمية التي اختلف العلماء في وضع مفاهيم معحددة لها، ولذا، تعددت مضامينها وشملت تعريفات كثيرة حيث أنه ليس هناك تعريف واحد محدد ولكن بعض العلماء عرفوا العولمة على حسب منظورهم. فمن بين تعريفاتها ما يرتبط بالتاريخ، أي فعل تاريخي متواصل، وهو حصيلة المعركة الجارية بين المكونات العالمية  أو النماذج الحضارية المختلفة التي يؤمن أصحابها بأن لهم رسالة تحدد المثال الإنساني الأعلى.
وعلي المستوي الاقتصادي، تعني العولمة  إزالة الحدود الاقتصادية والعلمية والمعرفية بين الدول ، ليكون العالم أشبه بسوق موحدة كبيرة تضم عدة أسواق ذات خصائص ومواصفات تعكس خصوصية أقاليمه. وتعتبر العولمة ظاهرة بشرية ومعرفية وموضوعية تعيشها دول العالم، كل بقدر نصيبها من المؤشرات آنفة الذكر ، ولذا يمكن النظر إلى العولمة في مضمونها الموضوعي باعتبارها حالة تاريخية ناتجة عن تطورعالم البشرية ككل، وأسهمت فيه جميع حضاراتها وشعوبها. في حين اهتم صندوق النقد الدولي  بوضع تعريف خاص للعولمة، والتي يراها أنها عبارة عن التعاون الاقتصادي المتنامي لمجموع دول العالم والذي يحتمه ازدياد حجم التعامل بالسلع والخدمات وتنوعها عبر الحدود إضافة الي تدفق رؤوس الأموال الدولية والانتشار المتسارع للتقنية في أرجاء العالم كله. ولكن محبي الهيمنة الأمريكية فهم يفضلون تعريفها علي أن فرص للسيادة الأمريكية علي العالم وصياغة جديدة لمنظومة القوة القديمة، لأن الفكر الإستراتيجي لا يخترع إنما يعيد الصياغة مع تغيير العصور، فهذا الاصطلاح (العولمة) اسم مخفف ومهذب يجري تسويقه من قبل الدول العظمى ، وخاصة الرأسمالية، وهو أحد محطات الاستعباد والاستغلال.
انتهي العام، ولكن لم تنته آمانينا بحياة أكثر سعادة ونجاحا سياسيا واقتصاديا
 
كاتب ومحلل سياسي بحريني
amurshed2030@gmail.com