ربما نرجع للوراء قليلا وتحديدا لدي اختتام القمة الخليجية الأخيرة التي عقدت بالبحرين وشاركت فيها رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، ونقتبس ما قاله جلالة ملك البحرين المفدي حمد بن عيسي آل خليفة حفظه الله خلال القمة :"نتطلع إلى تعزيز الشراكة الاستراتيجية مع بريطانيا، وإن مسيرة العمل بين الخليج وبريطانيا ستشهد نقلة نوعية". وردت تيريزا ماي قائلة:" مخاطر الأمن تزداد في الدول العربية والغربية على السواء ولا بد من العمل معا من أجل تقويض المخاطر الأمنية والإرهابية". إلا أن ماي أضافت:"سنساعد الخليج على التصدي لعدوان إيران، وجئت اليوم لأن لدينا تاريخا حافلا من المعاهدات السابقة بين بريطانيا ودول الخليج، ونود أن نثبت للعالم بأكمله أن لدينا العديد من الفرص التي سنستغلها معا". وشددت رئيسة وزراء بريطانيا على أن أمن الخليج هو أمن بريطانيا أيضا، والإرهاب الذي يستهدف دول الخليج يستهدف شوارعنا أيضا، وأن هناك تهديدا واضحا من قبل إيران لدول الخليج، لذا علينا بناء خطة استراتيجية تجاه تلك المسألة.
 
ولم تكد تمر دقائق من تصريحات ماي لدي مشاركتها القمة الخليجية وإلا  ورأينا إيران وقد أشعلت الدنيا نارا، وشنت هجوما علينا نحن شعوب المنطقة، ثم وجهت سهام غضبها ونيرانها نحو بريطانيا وماي في آن. الهجوم الإيراني لم يتوقف علي رجال الدبلوماسية الإيرانية فقط، لأن طهران وكما يبدو أرادت أن تكون المعركة مفتوحة من كل الجبهات، فأشركت فيها كافة أسلحتها، المرشد الأعلي، البرلمان، وزارة الخارجية، الإعلام الذي لم يهدأ حتي يومنا هذا رغم مرور أكثر من أسبوعين علي اختتام القمة. ويبدو أن إيران لن تهدأ وستواصل الحرب الي ما لا نهاية لعلها تعتقد أن بريطانيا ستتراجع عن مواقفها المؤيدة للخليج  أو أن تيريزا ماي ستلغي مواقفها التي أعلنتها في البحرين.
 
ما يرهق قادة إيران ليست ما قالته ماي فقط، فكل دول العالم تعلن مواقفها المؤيدة للخليج أمام الأطماع الإيرانية التي لا تنفك طهران من البوح بها كل فترة. ولكن يبدو أن السبب الحقيقي للمخاوف الإيرانية هو أن تعيد رئيسة الوزراء البريطانية مواقف المرأة الحديدية التي حكمت بلادها لمدة 11 عاما تقريبا من 1979 وحتي 1990 عشية حرب الخليج الثانية. أتحدث عن مارجريت ثاتشر التي يكتب التاريخ أنها التي أقنعت الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب بخوض حرب تحرير الكويت، وكانت من أولي الدول التي أرسلت جنودها للمنطقة للمشاركة في هذه الحرب، وتعد هذه المشاركة الفعالة والجادة الأبرز لقوات بريطانية بمنطقة الخليج منذ خروجها منها في أوائل السبعينيات من القرن الماضي.
 
لم تكن المواقف التي أعلنتها ماي في "قمة الصخير" مجرد كلمات تقال في مؤتمر أو قمة إقليمية وتنتهي الأمور عندها،  ولكن يكتب لهذه المشاركة أنها أعادت بريطانيا للمنطقة، ليس هذا فحسب، وإنما أعادت تيريزا ماي بحضورها الوهج البريطاني للمنطقة لتستعيد بلادها دورها المأمول.. وإذا كنا لسنا بصدد التركيز علي حجم التعاون الاقتصادي بين الطرفين (الخليج وبريطانيا)، فالمؤكد أن التنسيق لم ينقطع بين الطرفين وإن كان تباطئ نوعا ما بحكم الاعتماد الخليجي الأكبر علي الشريك الأمريكي الذي يود الانسحاب من المنطقة بحجة أنها لم تعد استراتيجية وعدم الاعتماد الأمريكي علي نفط  المنطقة وتوجه واشنطن الإستراتيجي نحو الشرق الأقصي.
 
وقد نتوقف قليلا عند كلمات تيريزا ماي:" مستعدون للتعاون المشترك لمواجهة إيران في سوريا واليمن والخليج"..وتتابع :"وسنلاحق أشكال الإرهاب كافة التي تهدّد استقرار المنطقة والخليج الذي هو استقرار للعالم بأكمله..وأكثر من 3 مليارات إسترليني سننفقها في الخليج والعالم لمواجهة التحديات".. فهذه كلمات قليلة ولكن عظيمة المعاني، فجرت المجتمع السياسي الإيراني في لحظة، لتخرج التهديدات الإيرانية من كل حدب وصوب لتتوعد دول وشعوب المنطقة، فكلمات تيريزا ماي صبت نارا علي الزيت الإيراني، فما كان من طهران علي مستوي كافة قياداتها الدينية والسياسية والبرلمانية إلا أن شنوا حربا شعواء علي الخليج وبريطانيا.
 
أولي التهديدات خرجت من العسكريين الإيرانيين ولكنا تعودنا عليها وكانت إغلاق مضيق هرمز والسيطرة علي مياه الخليج، ورأينا المرشد الإيراني خامنئي يعتير تيريزا ماي مصدر التهديدات للمنطقة وكل أمن الشرق الأوسط، ووصف كل تصريحات رئيسة وزراء بريطانيا ومواقفها المؤيدة للخليج بأنها "ذروة الوقاحة" وأن "البريطانيين دائما مصدر التهديد والفساد والخطر والنكبات". ولم يتوقف خامنئي عند هذا فحسب، فقد نالت منه بريطانيا أوصافا أخري مثل "أنها منبع للشر والبؤس في المنطقة".. كل هذا بسبب وصف رئيسة الوزراء البريطانية إيران بأنها "مصدر تهديد إقليمي"..هذا في الوقت الذي تبادلت فيه طهران ولندن الاستدعاءات الدبلوماسية بين البلدين.
 
المثير للدهشة أن خامنئي قد عاد للهجته القديمة ويدعي فيها أن المنطقة في الوقت الراهن تشهد "إرادتين" إرادة ما اعتبره "الوحدة" مقابل "التفرقة"٬ متهما بريطانيا بمتابعة سياسة "فرق تسد" في المنطقة٬ وبث الخلافات بين الشيعة والسنة٬ وهي سياسة "تتصدر أجندة أعداء الإسلام". هذا ثم يطالعنا خامنئي ليطالب عدد من دول المنطقة بـ"اليقظة" ضد ما وصفها "الشياطين السلطوية"، واعتقد أن لسان حاله قد أخطأ التعبير والتوجه معا، وكان حري به تحذيرنا نحن دول وشعوب الخليج من شياطين إيران السلطوية.
 
والمثير للدهشة أيضا أنه إذا كان المجتمع الإيراني قد أشعل الدنيا نارا علي استضافة القمة الخليجية رئيسة الوزراء البريطانية ومواقفها المؤيدة لنا، فلم تنتبه طهران لبيان مؤتمر منظمة المؤتمر الإسلامي الأخير الذي استضافته إسطنبول، والذي أدان التدخلات الإيرانية في الشؤون الداخلية لدول المنطقة٬ بما فيها البحرين واليمن وسوريا والصومال٬ فضلا عن إدانة المؤتمر دعم طهران للإرهاب٬ وطالبها بإقامة علاقات تعاون قائمة على مبادئ حسن الجوار٬ وتجنب التدخل في الشؤون الداخلية واحترام استقلالها وسيادتها ووحدة أراضيها٬ وحل الخلافات بالطرق السلمية وفقا لميثاق منظمة التعاون الإسلامي والمواثيق الدولية.. ولكن يبدو أن الإيرانيين لم يتوقفوا إلا عند القمة الخليجية ومشاركة تيريزا ماي فيها ووقوفها الي جانب المجتمع الخليجي.
 
وبينما لم تمر سوي أيام قليلة علي اختتام القمة الخليجية وإعلان بريطانيا مواقفها حيال المنطقة والمضادة لإيران، حدد ليون بانيتا٬ مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية ووزير الدفاع الأمريكي السابق٬ عددا من المخاوف التي قد تواجه العالم خلال الفترة المقبلة.. الي هنا والكلام عادي وربما معتاد، ولكن الآتي أصعب ويجب الانتباه إليه، عندما حدد بانيتا "الإرهاب" بأنه يتصدر تلك المخاوف والذي يشكل تهديدا مستمرا للعالم ولمنطقة الشرق الأوسط٬ والأهم من ذلك هو مواجهة ذلك الإرهاب عبر القدرة لبناء تحالف لمواجهة هذا التهديد٬ في الوقت الذي اعتبر أن عددا من الدول في المنطقة تمثل أرضا خصبة لتزايد هذه الظاهرة التي يجب مواجهتها.
 
ونأتي للأهم عندما وضع بانيتا "إيران" كمصدر تهديد للمنطقة بعد الإرهاب..هذا ما قاله رئيس الاستخبارات ووزير الدفاع الأمريكي السابق، فهو دائما يتسلح بالمعلومات والبيانات قبل أن ينطق بكلمة في أي محفل عربي أو دولي. وبالمناسبة كان يتحدث في جلسة استشرفت حالة العالم سياسيا في عام 2017 في المنتدى الاستراتيجي العربي٬ الذي استضافته دبي في منتصف ديسمبر الحالي. وماذا قال المسؤول الأمريكي السابق عن إيران؟ قال نفس الحقائق التي أوردتها رئيسة وزراء بريطانيا، خاصة حينما طالبها بوقف الاستمرار في توفير الدعم للإرهابيين في هذه المنطقة٬ وتعليق الدعم لحزب الله وحركة حماس وما تقوم به في سوريا. ثم ما لبث أن وصفها بانيتا – أي إيران – بأنها سبب عدم الاستقرار في المنطقة.
 
ننتقل الي حرب أخري أشعلها المدعو علادء الدين بروجرودي المتحدث باسم لجنة السياسة الخارجية والأمن القومي في البرلمان الإيراني٬ والذي طالب بمشروع قانون يلزم حكومته بخفض مستوى العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا٬ التي اتهمها بالوقوف وراء تدهور علاقات طهران بجيرانها العرب. والمعروف أن هذا الـ"بروجرودي من أشد الذين حرضوا علي مهاجمة السفارة السعودية في طهران العام الماضي، ثم يعود ليتهم بريطانيا بالقيام بدور "تخريبي" في العلاقات بين طهران وجيرانها العرب. ولم يكتف بهذا، إذ تبني حملة داخل البرلمان الإيراني تطالب بعدم عودة بريطانيا إلى مياه الخليج٬ وتأسيس قاعدتين للبحرية البريطانية في المنطقة، كل هذا بحجة ما أعلنته رئيسة الوزراء البريطانية :" أن بلادها مفتوحة العينين حيال التهديد الذي تمثله إيران للخليج والشرق الأوسط على نطاق واسع" ..كما أكدت في نفس الوقت التزام بلادها بالعمل على شراكة استراتيجية مع دول الخليج والعمل على التصدي لذلك التهديد.. وكذلك تشديدها علي أهمية العمل سويا لردع تصرفات إيران العدوانية في المنطقة، سواء كان ذلك في لبنان أو اليمن أو سوريا أو الخليج.
 
إجمالا.. أثار حديث بريطانيا عن الأمن في الشرق الأوسط٬ انزعاج إيران التي رأت فيه تعثرا لطموحها الإقليمي من جديد٬ أمام صخرة الرفض الدولي لسلوك يهدد استقرار دول المنطقة.
 

كاتب ومحلل سياسي بحريني
amurshed2030@gmail.com