رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير التنفيذي : علاء عبدالهادي
القاهرة - 23 فبراير 2017
رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير التنفيذي
علاء عبدالهادي

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب: مهمة الفرقاء.. فى قمة المدينة «الإسفنجية»

الأحد , 04 سبتمبر 2016 - 01:12 مساءٍ

 

 

« فى السماء الجنة، وعلى الأرض هانغجو».. هكذا يقول الصينيون عن مدينتهم !

إلى حد كبير هم محقون. ربما لهذا انتقوا هذه المدينة البديعة، لتكون مقرا لاستضافة القمة الحادية عشرة لقادة دول مجموعة العشرين. لعلهم أرادوا إبهار الضيوف، من شتى قارات العالم، بحاضرة تمتزج فيها الآثار القديمة، بالعمارة الحديثة، ويزدهر التقدم العلمى المذهل، وسط حدائق فسيحة ممتدة فى أرجاء المدينة وبحيرة فى قلبها تعد واحدة من الأجمل على ظهر الأرض.
عند أقدام جبل «موجان العظيم» الذى يكسوه اللون الأخضر بدرجاته، تقع مدينة هانغجو التاريخية السياحية.
هذه المدينة التى يخترقها نهر تشبانتانغ العريض، وتطل من عدة جهات على البحيرة الغربية، هى عاصمة مقاطعة جيجيانغ جنوب شرق الصين.
نصف المدينة يضرب بجذوره فى تاريخ يمتد إلى ٢٢٠٠ عام مضت، من معالمه معبد المدينة الذى أقيم على هضبة عالية منذ ١١٠٠ سنة، وأعيد ترميمه منذ قرنين، وكذلك المسجد الكبير الذى أنشئ منذ ١٠ قرون مضت.
أما النصف الآخر الذى بدأ بناؤه منذ عشرين عاما، فهو إطلالة الصين على المستقبل.
< < <

عندما تمر فى شوارع هانغجو وميادينها، تشعر أحيانا أنك فى برلين، وأحيانا أنك فى طوكيو، وأحيانا أخرى أنك فى مانهاتن بنيويورك مع تحسينات فى تنظيم المرور واتساع الطرق وإنارة الشوارع.
تبدو هذه المدينة، موازييك من عدة مدن يفوح منها عطر صينى آخاذ.
فى الصباح.. يغلب اللون الأخضر على المكان، حيثما أطللت، مع سماء صافية، وجو معتدل فى هذا الوقت من العام.
وفى المساء.. تتلألأ الأنوار من واجهات ناطحات السحاب على ضفتى النهر، ومن أغصان الأشجار على جانبى الطرق فى تناغم محسوب ومعد سلفا، وتضئ أعمدة وأبدان الكبارى بألوان منتقاة. ساخنة يقظة، تحيل المشهد إلى لوحة من النور تبدد سواد الليل. غير أن لمبات الإنارة المستخدمة جميعها موفرة للطاقة.
< < <

الوصف الشائع لهذه المدينة التى يقطنها ٤ ملايين صينى، أنها «مدينة الحرير»، فقد كانت أول من صدّر الحرير الصينى الشهير إلى الحضارات الأخرى منذ ألفى عام مضت.
أما الوصف الجديد لها فهو «المدينة الإسفنجية» ذلك أن الإدارة الصينية حرصت على إنشاء نظام صرف وتدوير لمياه الأمطار بالغ التطور يحول دون إهدارها، ويضمن الاستفادة فيما بعد بكل قطرة منها، رغم وجود النهر ومعه البحيرة!
يقوم هذا النظام على إنشاء حدائق على أسطح المنازل لامتصاص مياه الأمطار مع تركيب مرافق فى الأبنية لاستيعابها، بجانب تزويد الحدائق العامة والأراضى الرطبة بشبكة مرافق، ثم تجميع المياه فى أحواض تنقية وإعادة تدويرها لتستخدم فى الرى خلال مواسم الجفاف.
بعد ٤ سنوات ستكون «هانغجو» إسفنجية بنسبة ٢٠٪، وترتفع النسبة إلى ٨٠٪ بحلول عام ٢٠٣٠.
< < <

المأمول من قمة العشرين، أن تكون هى الأخرى «إسفنجية» مثل المدينة التى تستضيفها.. تمتص كل الاختلافات بين رؤى الدول الثمانية الصناعية الكبرى والدول الإحدى عشرة ذات الاقتصاديات البازغة ومعهم الاتحاد الأوروبى، وتعيد تدويرها لتحقيق هدف مشترك هو - كما حدده الرئيس الصينى تشى جين بينج فى افتتاح القمة أمس - التغلب على تحديات النمو البطئ للاقتصاد العالمى وهشاشة التجارة الدولية.
كلمة الرئيس الصينى التى اقتصرت عليها الجلسة الافتتاحية، تميزت بالإيجاز والتركيز والأهداف المحددة.
فقد دعا إلى الحد من الظلم وعدم التوازن فى التنمية العالمية، وإلى بناء اقتصاد عالمى مفتوح يعزز التجارة والاستثمار، ويلتزم بعدم اتخاذ إجراءات حمائية جديدة تعرقل التجارة، ودعا إلى خطة عمل تستهدف دفع التنمية وكفاءة استخدام الطاقة ومحاربة الفساد، مع مساعدة الدول الأقل فقرا، ومعاونة الشباب على إنشاء أعمالهم الخاصة.
تواصلت أعمال القمة بعد الافتتاح فى جلسة العمل الأولى لمناقشة القضايا المطروحة على جدول الأعمال، وأهمها تشجيع الابتكار من أجل دفع التنمية وتنشيط النمو، وتحقيق الترابط بين الكيانات الاقتصادية العالمية، والشمولية فى الاقتصاد العالمى.
وامتدت المناقشات بين القادة على مأدبة عشاء أقامها الرئيس الصينى، أعقبها حفل فنى.
تستمر أعمال القمة اليوم فى جلسة عمل ثانية، وتعلن القرارات ويصدر إعلان هانغجو فى الجلسة الختامية.
< < <

عشرة لقاءات قمة سبقت قمة هانغجو. كانت لمجموعة العشرين أولها فى واشنطن عام ٢٠٠٨، واستمرت فى الانعقاد مرة كل عام وأحيانا مرتين فى إحدى عواصم الدول الأعضاء.
المجموعة تأسست عام ١٩٩٩ على مستوى وزراء المالية ومحافظى البنك المركزى بالدول الثمانية الكبرى والدول ذات الاقتصادات البازغة والاتحاد الأوروبى، كمحفل دولى هو الأهم لإدارة الاقتصاد العالمى فى أعقاب الأزمة المالية العالمية، باعتبار أن هذه الدول تستحوذ على ٨٥٪ من إجمالى الناتج القومى العالمى، و٨٠٪ من حجم التجارة الدولية ويقطنها ثلثا سكان العالم.
< < <

المائدة المستديرة للقاعة الكبرى فى قصر المؤتمرات بمدينة «هانغجو» ضمت قادة دول المجموعة، ومعهم قائدا دولتين، وجهت إليهما الصين دعوة خاصة لحضور القمة والمشاركة فى أعمالها هما الرئيس عبدالفتاح السيسى رئيس مصر، والرئيس نور سلطان نزار باييف رئيس كازاخستان.
الحضور على المائدة ضم أيضا قادة دول مدعوة كضيوف شرف، هى أسبانيا، تايلاند، سنغافورة، تشاد، السنغال.
فى يناير الماضى، وجه الرئيس الصينى بينج الدعوة إلى الرئيس السيسى خلال مباحثاتهما فى القاهرة لحضور قمة العشرين. وأعلن الرئيس السيسى قبوله الدعوة، موجها الشكر للرئيس بينج.
كان اختيار الصين لكازاخستان ومصر تحديدا كضيفين مشاركين فى القمة من بين دول العالم الأخرى، له مغزى خاص، فكازاخستان جارة للصين تربطهما أواصر تاريخية، ومصر من أوائل دول العالم التى اعترفت بالصين الشعبية وأقامت معها علاقات دبلوماسية قبل ٦٠ عاما وتربطهما علاقات ثقافية واقتصادية وسياسية وثيقة شهدت انطلاقة كبرى خلال العامين الماضيين توجت باتفاق الشراكة الاستراتيجية المصرية الصينية.
< < <

أسباب أخرى لهذه الدعوة، بدت فى كلمات الرئيس الصينى للرئيس السيسى خلال المباحثات التى جمعت بينهما أمس فى قصر الضيافة الرئاسى بمدينة هانغجو.
قال الرئيس الصيني: «لقد حققت مصر تحت قيادتكم نتائج إيجابية خلال العامين الماضيين، خاصة على صعيد تزايد التماسك الوطنى وزيادة التأثير الإقليمى والدولى لمصر. وإننا والمجتمع الدولى نرى آفاقا واعدة لبلدكم الصديق».
وبينما نسمع هذه العبارات، ونرى الرئيس المصرى فى أهم محفل للدول الكبرى والاقتصادات البازغة، ونترقبه اليوم يتحدث مرتين أمام أكبر قادة العالم عن رؤية مصر لمستقبل الاقتصاد العالمى والتحديات التى تجابه دول العالم وبالأخص الدول النامية.. نجد تقارير من دوائر بعينها فى الخارج يروج لها البعض داخل مصر، تصور مصر بأنها دولة مفلسة تهوى إلى قاع الانهيار الاقتصادي!
وكأن الصين التى دعت مصر، لا تعرف حقائق الاقتصاد المصرى وآفاقه التى وصفتها بالواعدة، وكأن قادة الدول الكبرى والاقتصادات الناهضة سيستمعون إلى رؤية دولة فاشلة مثلا فى شأن إدارة الاقتصاد العالمى، وكأن الرئيس الأرجنتينى ماكورى الذى التقى الرئيس السيسى أمس لا يعرف عن مصر ما تردده تلك الأبواق فقال للرئيس: «تسعدنا دعوتكم لزيارة الأرجنتين، وتشريفكم لنا بحضور القمة القادمة لمجموعة العشرين التى تستضيفها بلادنا» عام ٢٠١٨.
< < <

٤ لقاءات قمة عقدها الرئيس السيسى امس فى هانغجو قبيل افتتاح قمة العشرين، وغداة وصوله إلى الصين مساء أمس الأول.

فور وصوله إلى مقر إقامته بمنتجع الرؤساء فى هانغجو الليلة قبل الماضية.. استهل الرئيس نشاطه بلقاء كريستين لاجارد مديرة صندوق النقد الدولى. أبدت لاجارد خلال اللقاء تأييدها لطلب مصر بالحصول على قرض ميسر من الصندوق قيمته ١٢ مليار دولار على مدى ٣ سنوات، وعرض الاتفاق المبدئى الذى تم التوصل إليه بهذا الشأن على مجلس إدارة صندوق النقد فى وقت لاحق.
وأكدت أنها طلبت من دول صديقة لمصر ومؤسسات تمويل تقديم مساعدات من منح وقروض بمبلغ يصل إلى ٦ مليارات دولار، لمعاونتها فى برنامجها الناجح للإصلاح الاقتصادى.
< < <

فى الصباح الباكر أمس.. اختص الرئيس الصينى، الرئيس السيسى بدعوته رغم وجود العديد من قادة دول العالم، للإفطار معه بعد لقاء قمة ثنائى، فى قصر الضيافة بهانغجو.
كان الرئيس الصينى فى استقبال الرئيس السيسى أمام مدخل القصر، وودعه حتى باب السيارة.
ساعة وربع الساعة، استغرقتها مباحثات القمة والمباحثات الموسعة التى جمعت أعضاء الوفدين المصرى والصينى على إفطار العمل.
من الجانب المصرى حضر وزير الخارجية سامح شكرى، ووزير التجارة والصناعة طارق قابيل ووزير المالية عمرو الجارحى، واللواء مصطفى شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية واللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس، والسفير علاء يوسف المتحدث الرسمى باسم الرئاسة.
كانت أجواء المباحثات أكثر من رائعة على حد وصف مسئول رفيع المستوى. ولم يفت الرئيس السيسى أن يعبر عن إعجابه بمدينة هانغجو وما تحفل به من تقدم، ولعله يأمل أن ينقل ما شاهده إلى العاصمة الإدارية.
على مدار ٧٥ دقيقة تبادل الزعيمان الرؤى بشأن التنسيق إزاء القضايا والأزمات الإقليمية والدولية، وأعلنت الصين إنها ستدرس بجدية دعم ترشيح السفيرة مشيرة خطاب لمنصب مدير اليونسكو.
وفى مجال التعاون بين البلدين.. استعرض الزعيمان ما تم إنجازه فى مجال المشروعات المشتركة، وأبدى الرئيس الصينى اهتمامه بتشجيع الشركات الصينية على ضخ استثماراتها فى مشروع تنمية قناة السويس، بوصفها ملتقى قارات أفريقيا وآسيا وأوروبا، ومنطلقا للنفاذ إلى الأسواق الأفريقية.
كما جرى التباحث فى تحديث قطاع الغزل والنسيج المصرى بالخبرة الصينية ومعاونة الصين لمصر فى مجال المشروعات المتوسطة والصغيرة.
أشاد الرئيس بينج بما جرى إنجازه فى مصر خلال العامين الماضيين، ونوه بالآفاق الواعدة التى تنتظر الاقتصاد المصرى.
وقال للرئيس السيسي: «إننا مع مصر ندعم جهودها.. ونحترم أولوياتها الوطنية مع عدم التدخل فى شئونها.
< < <

بعد هذا اللقاء الناجح.. التقى الرئيس السيسى مع الرئيس ماوريسيو ماكورى رئيس الأرجنتين، الذى أكد دعم بلاده الكامل لمصر فى جهودها لتحقيق التنمية، وقال إن الأرجنتين ستسارع بالتصديق على اتفاقية التجارة الحرة بين مصر وتجمع الميركسور بأمريكا اللاتينية.
وأكد اهتمام بلاده بتعزيز علاقات التعاون مع مصر ودفعها قدما، لا سيما مع احتفال البلدين بمرور ٧٠ عاما على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما فى العام المقبل.
وهنأ الرئيس السيسى، الرئيس ماكورى باستضافة بلاده القمة بعد القادمة لمجموعة العشرين، ورد عليه ماكورى قائلا: يشرفنا دعوتكم لحضور القمة والمشاركة فى أعمالها.
< < <

اللقاءان الثالث والرابع يوم أمس للرئيس السيسى مع قادة دول مجموعة العشرين، كانا مع قائدى كوريا الجنوبية واليابان اللتين زارهما الرئيس فى مارس الماضى، وكان اللقاءان فرصة لمراجعة ما تم من خطوات على صعيد التعاون بين البلدين، تنفيذا لنتائج مباحثات القمة فى سول وطوكيو.
فى لقائه مع بارك جيون هيه رئيسة كوريا الجنوبية.. عبر الرئيس السيسى عن سعادته بقرار الشركات الكورية التوسع فى استثماراتها بمصر، مؤكدا حرصه على تذليل أى عقبات أمامها.
ونوهت الرئيسة الكورية بفرص الاستثمار الواعدة فى مصر، وسعيها لتشجيع الشركات الكورية على الاستفادة منها.
وجرى النقاش حول مجالات التعاون والاستفادة من الخبرة الكورية فى إدارة وتشغيل المناطق الحرة، كما جرت متابعة خطوات تنفيذ الكلية المصرية الكورية للتكنولوجيا.
وتطرقت المباحثات إلى القضايا الإقليمية والدولية، وأكد الرئيس السيسى حرصه على تسوية النزاع فى شبه الجزيرة الكورية بالوسائل السلمية.
أما فى المباحثات المصرية اليابانية فقد أبدى رئيس الوزراء شينزو آبى للرئيس سعادته بنتائج زيارته لطوكيو، وقال إنها أسفرت عن نقلة كبرى فى التعاون بين البلدين، وأشاد بالكلمة التى ألقاها الرئيس السيسى أمام البرلمان اليابانى قائلا: إنها كانت ذات أثر كبير فى نفوس شعب اليابان.
وعبر آبى عن تقديره البالغ لمبادرة الرئيس السيسى الخاصة بتحريك عملية السلام.. وقال له بالحرف: «لقد سمعت كلمتك وأنت فى أسيوط التى أطلقت فيها هذه المبادرة من أجل إحياء السلام بالشرق الأوسط، وكانت محل تقدير من جانبنا ومن جانب المجتمع الدولي».
وأبدى رئيس الوزراء اليابانى سعادته باهتمام الرئيس السيسى بالاستفادة من التجربة اليابانية فى التعليم ونقلها إلى مصر. وقال إننا مستمرون فى تنفيذ الاتفاق الذى وقعناه من أجل الشراكة فى التعليم.
< < <

اتصالات ومشاورات الرئيس السيسى هنا فى هانغجو لم تقتصر على تلك اللقاءات وجلسات المباحثات، وكانت اللقاءات العامة التى جمعت قادة الدول المشاركة فى القمة قبيل الجلسة الافتتاحية وبعد انتهاء أعمال اليوم الأول، وأثناء مأدبة العشاء.. فرصة ومجالا لمشاورات وأحاديث ثنائية ومجمعة، جمعت الرئيس بعديد من قادة الدول.
واليوم.. تطرح مصر رؤيتها فى مشاركتها الأولى بقمة العشرين، عبر كلمة يلقيها الرئيس السيسى ومداخلة أخرى فى جلسة العمل الثانية.
ويسبق الجلسة لقاءان مهمان للرئيس مع قطبى أوروبا، الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وفى أعقاب القمة.. يلتقى الرئيس السيسى والرئيس الروسى بوتين للمرة السابعة، منها ٦ مرات فى غضون عامين منذ تولى السيسى منصب الرئيس.
لقاء الرئيسين، تحيط به تطلعات واسعة كما هى العادة، فهو لقاء قائدين صديقين، لبلدين صديقين، يعقد هذه المرة فى بلد ثالث يعرف حقا معنى الصداقة.


  • 8 - 20 °C

  • سرعه الرياح :17.70
  • دولار أمريكى : 15.7978
  • يورو : 16.6793
  • ريال سعودي : 4.2129