تشترك الأمم والدول، كما يشترك الأفراد، في الرغبة في التقدم والارتقاء، وفي تحقيق الرخاء والرفاهية، وهي آمال طبيعية ومشروعة، إلا أنها تتحول إلي محض «أضغاث أحلام » إن بقيت في دائرة التمني، ولم تترجم عن نفسها بإرادة تملك العزم والتصميم والقوة، وتكفل استمرار قوة الدفع لها من خلال ينابيع تحفزها وتمدها بالدماء المتجددة، أو بالوقود الذي لا غناء عنه لاتساع دائرة الرؤية، ومداومة العزم والحركة.

أولو العزم

والعزم يأتي علي رأس قائمة القوي المحركة للإرادة الإنسانية، وكانت صفة العزم أعلي الصفات التي وصف بها القرآن المجيد الرسل والأنبياء، فوصفوا في غير موضع بالقرآن بأنهم « أولو العزم».. فالإرادة والتصميم والإصرار والقوة، تنطوي جميعًا وغيرها من مكنات القوة الحميدة ـ في هذا العزم. فالإرادة فرع علي العزم، وهذا العزم هو الذي يولد الهمة والتصميم والإصرار إلي غير ذلك من مقومات الإرادة الراغبة المريدة. . يمكنك أن تتوقف متأملاً عند وصية «فإذا عزمت فتوكل علي الله »، فليس بعد العزيمة غير التوكل علي الله، لأن العزيمة تطوي في ثناياها كل المراد والممكن من الوسائل والقدرات البشرية، ولا يبقي بعد العزم والعزيمة. بمشتملاتها، سوي التوفيق الذي ينشده الساعي متوكلاً في سعيه علي العلي القدير.  علي أن العزم ليس قوة ضريرة عمياء، وإنما هو قوة بصيرة مريدة، وهي في بصيرتها تحتاج للفهم وتنهض عليه، والفهم محصلة روافد متعددة، منها الأصيل ومنها المكتسب، وهذا الفهم لا يفتأ يحتاج إلي مدد، ويأتيه هذا المدد من أسلوب التعامل مع الحياة وأنشطتها وغايتها.

  الدقة والإتقان

 هما مهجة الترقي المنشود

ومناط العزيمة

في عالم اليوم، الذي تنامي فيه الإنتاج تناميًا هائلاً في كل لون، من حيث النوع والكم والكيف، باتت الدقة والإتقان هما عصب الإنتاج ومفتاح ما تفرضه المنافسة في عالم الإنتاج والاقتصاد والسياسة، فلا يقتصر طلب الدقة علي عالم الصناعة أو الزراعة أو الإنتاج المادي بعامة، بل يتفق الناس اليوم عاملهم باطلهم ـ علي أن «الإتقان » و«الدقة » هما قوام كل عمل مادي أو فكري أو ادبي.. بدونهما يفقد العمل المادي عناصر جودته وإتقانه وتميزه، ويفقد العمل الفكري والسياسي والأدبي روحه وجدته وطرافته وجدواه. . وتحت جناح العزيمة، يتحقق هذا وتلك.. هذه العزيمة علي إخلاص العمل وإتقانه، حضت عليها الأديان، فلم يقبل الإسلام أن يكون أداء العمل مجرد تسديد « خانات » ، أو استبراءً من العتاب، فجاء بالقرآن الكريم « وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَي اللّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ »، وهذا العمل قوامه الإخلاص والجد والإجادة، فجاء في القرآن المجيد : « وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ »، وجاء في الحديث الشريف : « إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه ».

الرتابة، وإكسير الحلم

التكرار والإعادة، سنة جارية في الحياة، عليهما معظم ركازات استمرارها، ولكن التكرار والإعادة يولدان الملل، والملل يحرم الإرادة من مقومات تجددها ، هذا التجدد الذي يقي الحركة والعمل من الخبو أو الانطفاء ، ويحرك العزيمة لطلب المزيد من الترقي والإجادة.

وهذا التجدد قوامه القدرة علي « الحلم ».. القدرة علي الحلم دليل حياة ، وخاصية مانحة.. إلي هذا الحلم وما يشعله من خواطر وما يحركه ويبعثه في النفس من آمال ـ تعود إنجازات أو نجاحات أو طفرات البشر.

يصدق هذا علي الجماعات مثلما يصدق علي الأفراد. ما بيدنا اليوم كان « أحلامًا » بالأمس ، ولكنها أحلام اقترنت بالرغبة والعزيمة علي تحقيقها. قدرة المجتمعات علي الحلم هي محصلة قدرات أفرادها.

والحلم ذاته هو محصلة تلاقي الخيال أو المخيلة مع الإرادة والعزيمة. وهذا التخيل هو أميز ما تميز به الإنسان بين سائر المخلوقات.. وبه يستحضر الحاضر الغائب ، ويستشرف المستقبل. وهذه الخاصية البشرية هي مع العقل سر نبوغ وتقدم وترقي البشر.

ما تمنحه المخيلة أو تتيحه من عمق واتساع الرؤية ، لا يحقق إنجازًا ما لم تكن هذه الرؤية مجدولة بقدرة حية متوقدة ، حالمة أو قادرة علي الحلم ، لا الحلم المخدور أو أضغاث الأحلام ، وإنما الحلم الواعي الممزوج بالفهم والإرادة القوية المريدة والعزيمة الماضية المتينة.

بهذا الخليط من الخيال ، والحلم الواعي ، فضلاً عن العزم والإرادة ـ يشق الأفراد طريقهم وتشق المجتمعات طريقها ، وتُنقل الأماني المرغوبة أو المرجوة من حيز الحلم والرجاء ، إلي الواقع الحي. هذا الواقع ثمرة تلاقي متفاعل وفاعل بين قدرة الخيال والحلم ، وبين قوة العزيمة والإرادة.

لا يوجد واقع لا يحتاج لتغيير أو تطوير

لا يوجد واقع فردي أو اجتماعي لا يحتاج إلي تغيير أو تعديل أو تطوير أو تكريس أو إبداع ، والقدرة علي رصد ذلك وتخيل مطالبه وصورته المرجوة ـ تحتاج فضلاً عن القدرة علي التخيل ، إلي قدرة علي الحلم ورغبة عازمة مريدة علي تحقيقه. وهنا تكمن القدرة الحقيقية للأفراد والمجتمعات علي استشراف المستقبل وامتلاك العزيمة والإرادة الحية والقدرة علي إنجاز ما تأمله وتريده.

مسئولية الكتابة والإعلام

لا تنحصر هذه المسئولية الواعية ، في رغبات أو  سلوكيات الأفراد ، ولا في قرارات وسياسة الحكومات، وإنما تشكل مادتها زخمًا ينهض الفكر والأدب ، ومعهما الإعلام ، علي إثرائه وإمداده بمقوماته.

حتي الأمس القريب ، كانت تتوهج كتابات مفكرينا وأدبائنا وصحفيينا في تبني قضايانا وأمانينا الوطنية ، ومواكبتها بما يكرسها ويدفع بها ، دون أن تقع فريسة لليأس أو الضغوط أو  لمسلمات مسمومة تصادر الحق والحلم والأمل ، وإنما كانت توالي بث حوافز التحدي لتغيير الواقع إلي الأفضل.

هالني استسلام البعض ، بوعي أو بدون وعي ، لمصكوكات انهزامية ، تصادرنا وتسرب أحلامنا وتقعدنا عن السعي. مهمة الفكر والأدب والإعلام أن يزرعوا الأمل ، وأن يستنفروا العزم ، وأن يجددوا قدرة الناس علي مواصلة الكفاح لتجاوز الصعاب وتحقيق غد أفضل يتوافق مع أمانيهم وأحلامهم المشروعة.

رب دهشة نافعة !

الدهشة صنو الحلم ، أو هي المجداف الآخر الذي يدفع ـ مع الحلم ـ الدماء إلي شرايين العزيمة ، ويشحذها ويشحذ الإرادة.

عن دهشة حركت الماء الآسن ، ودفعت إلي النظر والتطور ، يحدثنا الجبرتي في تاريخه : « عجائب الآثار » ، عن بعض طرائف « الدهشة » أو « الصدمة » التي تولدت من جراء ما أتت به الحملة الفرنسية من عجائب العلم والتحضر.

    لم تمنع كراهة المصريين للتجريدة البونابرتية ـ لم تمنع الجبرتي من التوقف عن هذه الطرائف لاستخلاص عبرتها والدروس التي يمكن أن تستفاد منها.

    من صدمات « الدهشة » أو « ألطاف الله الخفية  »  في تعبير العامة ، يروي لنا الجبرتي في تاريخه ، أنه شاهد رجال الحملة الفرنسية يأتون علي حد تعبيره ـ بعجائب تهون الصعب وتقرب البعيد.

  « كانوا يصرفون الرجال من بعد الظهيرة، ويستعينون في الأشغال وسرعة العمل بالآلات القريبة المأخذ السهلة التناول  المساعدة في العمل، وقلة الكلفة ، كانوا يجعلون بدل الغلقان والقصاع عــربات صغيرة ويداها ممدودتان من خلف، يملؤها الفاعل ( العامل ) ترابا أو طينا أو أحجارا من مقدمها بسهولة بحيث تسع مقدار خمسة غلقان، ثم يقبض علي يديها المذكورتين، ويدفعها أمامه بسهولة علي عجلتها ( بدل حمل الغلقان ) إلي محل العمل، فيميلها بإحدي بديه، ويفرغ ما فيها من غير تعب ولا مشقة !!.. يروي الجبرتي كيف انتقل من حيث يعمل الفعلة بهذه البساطة واليسر، إلي بيت حسن كاشف جركس  الذي أنفق عليه الأموال الباهظة، ثم فر أمام الحملة مع الفارين، فأحالوا بيته إلي مكتبة عامة، زودوها بالكتب، ورصوا فيها الخزن،  « ونصبوا كراسي موازية لتختاه  عريضة مستطيلة، يجلس إليها من يريد التصفح ومراجعة ما شاء، لا يمنعون حتـي راغـب الفرجـة مــن الدخول ».. « ويتلقونه بالبشاشة وإظهار السـرور بمجيئه، خصوصا إذا رأوا فيه تطلعا للنظر في المعارف » ! وفي جانب آخر من البيت « أفردوا مكانا لصناعة الحكمة والطب الكيماوي، وبنوا فيه تنانير مهندمة وآلات تقاطير عجيبة »... ومـن المكتبة وبيت الحكمة ينقلنا الجبرتي إلي « توت الفلكي » وتلامذته في مكانهم المختص بهم حيث : « الآلات الفلكية الغريبة المتقنة الصنعة، وآلات الارتفاع البديعة التركيب، المصنوعة من الصفر المموه، وتركب ببراريم مصنوعة محكمة، كل آلة منها عدة قطع تركب مع بعضها البعض برباطات وبراريم لطيفة بحيث إذا ركبت صارت آلة كبيرة بها نظارات وثقوب ينفذ النظر منها إلي المرئي،  وإذا انحل تركيبها وضعت في ظرف صغير » !! ..  « وكذلك نظارات للكواكب وأرصادها، ومعرفة مقاديرهـا وأجرامهـا وارتفاعاتهـا.. والساعات التي تسير بثواني الدقائق » ! ..

 هذه « الصدمة »، وأيا ما اختلفت الآراء في أثر الحملة الفرنسية، ولدت لدي المصريين « دهشة » هائلة تستطيع أن تلمس آثارها في الحياة المصرية بعامة، وفي التعليم والثقافة والجيش، وفي الحياة السياسية أيضا.. قبل هذه الصدمة محركة الدهشة، كان التراجع في العصر العثماني هائلا، واستغلال الشعب غاشما.. المرافق العامة في حالة إهمال يرثي لها، وحقوق المصريين مضيعة، وأغلب المدارس قد تحولت إلي خرائب،  وانحصرت الثقافة بين جدران الأزهر الذي كان بدوره مكبلا بموروثات ابتعدت  بدراساته عن كل واقع الحياة، وانعكس ذلك كله علي الثقافة والأدب والفنون ! ..

علـي مـا كشفته الحملة الفرنسية من هبوطٍ وخذلانٍ، ولجوءٍ إلي « ألطاف الله الخفية »، فإن صدمة ما أتت به حركت سواكن.. كشفت تحدياتها للمصريين ما في واقعهم من سوء وهبوط وتعاسة، ونبهتهم إلي ضرورة التغيير.

ليس مقصودي ولا يتسع المقام، لدراسة الحياة المصرية في العصر الحديث، وإنما مرادي فقط أن أستقصي ظاهرة وأثر « الدهشة » في تغيير الحياة.. هذه الدهشة التي تولدت لدي الإنسان الأول حينما تصادف انبعاث شرارة من تصادم حجرين، فقاده ذلك إلي اكتشاف النار.. و« الدهشة » التي هدت إسحق نيوتن إلي قانون الجاذبية، أو تلك التي هـدت إلـي قانـون الطفـو.. « الدهشة » نعمة حقيقية يُرد إليها ما يتجمع لدي الإنسان من دوافع وشحنة ومحركات هي التي تخرجه من وهدة الخبو والخمول والاستكانة والبلادة والتسليم، وتحرك أشواقه ومعها معارفه وقدراته العقلية والذهنية، ليخلق بهذا كله واقعا جديداً أفضل وأميز وأرقي وأكثر سعة وإشراقًا .. لا بأس علي الآدمي طالما بقيت لديـه يقظـة يستطيع بهـا أن يحس ويري بنظره وببصيرته، وأن ينفعل انفعالاً محمودًا واعيًا بما يتجمع بعدسته اللامة من « دهشة » هي التي يرجع إليها كل  « جديد » « أفضل » يقيمه الأفراد والجماعات والشعوب والأمم!!  

بين الحلم والدهشة

تتولد العزيمة

أردت أن أقول ، إن الحلم والدهشة جناحان للعزيمة المريدة التي نتغيَّاها ، لنواجه ما يقابلنا من صعاب ، وما يحيط بنا من مكبلات ، لنستشرف المستقبل بوعي وفهم ، ونشحذ عزيمتنا وإرادتنا للانتقال ببلدنا وبأنفسنا لما نتمناه لها ولنا ، ولنواصل عمارة الحياة عن فهم وبصيرة ، ونبني مصر العزيزة التي نتمناها ، بناءً يتواصل مع ماضيها العظيم الذي أورثتنا إيَّاه.