الضغوط الإعلامية والبرلمانية دفعت رئيس الحكومة إلي إجبار وزير التموين علي تقديم استقالته، والانسحاب من حلبة المصارعة الحرة مبكرا، لتنتهي بذلك المباراة بفوز خصومه بلمس الأكتاف !!

قد تكون استقالة وزير التموين وسيلة ناجزة لرفع الحرج عن الحكومة، وتخفيف الضغوط علي وزارة المهندس شريف إسماعيل، لكنها لا تبرئ ساحتها أمام الرأي العام، ولوكنت في موقع د. خالد حنفي لما صمت علي كل هذا اللغط الإعلامي المثار حوله، ولا انتظرت حتي تصل الأمور لما وصلت إليه من ضرب تحت الحزام، والخوض في أمور شخصية الغرض منها كسب المعركة بأقصر الطرق وأرخصها، ولما كنت اكتفيت بتقديم استقالتي وترك منصبي، ولكن كان الأحري والأجدر به أن يسارع بطلب للنائب العام للتحقيق معه فيما يثيره خصومه من اتهامات، وما يتردد من شائعات، ويقدم للنيابة كل الأوراق والمستندات والأدلة التي تبرئ ذمته من التورط في علاقات مشبوهة مع حيتان الفساد وأباطرة التلاعب بقوت الشعب، وتدرأ عنه تهمة إهدار المال العام واستغلال النفوذ، والتقاعس عن أداء واجبه،والدخول في مواجهة الفساد المتفشي في الوزارة .

ربما لا يعرف البعض القيمة والمكانة العلمية والعملية لهذا العالم الجليل، والمناصب الرفيعة التي تقلدها كخبير اقتصادي للعديد من الهيئات الدولية، والأبحاث والدراسات وورش العمل التي قادها مع الاتحاد الأوربي والبنك الدولي، ومنظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي وغيره، وقد يختلف البعض علي دوره في تطوير منظومة الدعم، وما أنجزه في تنفيذ البرنامج الإصلاحي.

ولكن الأمر الذي لا يمكن الاختلاف عليه، أن كل وزير سيتولي حقيبة التموين والتجارة الداخلية، ويحاول تطهير هذه الوزارة من الدبابير والخفافيش، سوف يواجه ذات الحرب الشرسة والممنهجة للإطاحة به، وسيلحق بمصير د. خالد حنفي ود. محمد أبوشادي وغيرهما، ومن لم يمت بالسيف مات بغيره !!

إن المثل الشعبي يقول : من لا يري من الغربال أعمي، لذا لا يمكن إغفال ما حققه الرجل خلال الثلاثين شهرا التي تولي فيها منصبه الوزاري، ومن الغبن ألا نشهد له بما أنجزه في إصلاح منظومة التموين، وتنفيذ جانب ليس بقليل من البرنامج الإصلاحي، برغم كل الصعوبات والظروف الاقتصادية التي تمر بها مصر، والارتفاع الجنوني في سعر الدولار، وبالرغم من مؤامرات حيتان الفساد وخفافيش منظومة المصالح، والأزمات المفتعلة والمصطنعة التي يخطط لها أعداء الوطن .

وقد تكون إقامة د. خالد في فندق أمرا مستفزا للبعض، ولا يتفق مع مسئول يتولي حقيبة « وزارة الغلابة «، وربما تكون المبالغ التي أنفقها من ماله الخاص علي إقامته الفندقية قد أشعلت أحقاد من يحاولون الصيد في الماء العكر، وربما يري البعض الآخر بنظرته الاقتصادية أن الإقامة في فندق لوزير يعيش بعيدا عن أسرته المقيمة في الإسكندرية، أفضل من إنفاق الملايين علي شراء شقة بحي راق في القاهرة، وتجهيزها وفرشها، وتوفير ما يلزم للإقامة من خدمة وحراسة ومأكل وخلافه، خاصة أن بقاءه في الوزارة غير مضمون، بعد أن أصبح وزراء ما بعد 25 يناير لا يمكثون طويلا في مناصبهم !

ولكن فصل الخطاب هنا أن يكون ما أنفقه الوزير من ماله الخاص الذي جمعه خلال مشواره المهني والأكاديمي، والذي تقلد خلاله العديد من المناصب الرفيعة عربيا ودوليا، وتركها جميعا ليتحمل عبء ومسئولية جسيمة، ويتكبد خسارة مالية ومعنوية راضيا مرضيا، لكي يخدم الوطن في موقع من أخطر المواقع، دون النظر للمقابل!

إنني أدرك أن أي منصب سياسي قابل للإقالة أوالاستقالة، ولكن دعوني هنا أتساءل: هل من حق البرلمان توجيه الاتهامات، وإصدار الأحكام وتوقيع العقوبات ؟!أم إننا في بلد يحكمه القانون، وعلينا انتظار القول الفصل من القضاء، فيما توصلت إليه لجنة تقصي الحقائق مشكورة، وما جاء في تقريرها الذي أثبت وجود شبهة فساد، دون تهويل أوتضخيم أوإدانة أشخاص وتبرئة آخرين!

لقد اطلعت علي سطور تقرير اللجنة، ووجدت أن قضية فساد مافيا التلاعب في توريد القمح، وإهدار المال العام لصالح مستوردي القمح، لا يتعلق بوزارة التموين وحدها،وإنما يدين وزارة الزراعة والصناعة والاستثمار والصحة والداخلية، وأصحاب مواقع التوريد والتخزين من القطاع الخاص، فلماذا لا نقيل كل هؤلاء الوزراء ؟!!

يا سادة إن الأمر لا يتعلق فقط بمنظومة الدعم، وإنما بمنظومة بلد بأكملها عاشت علي الفساد عقودا طويلة، والجميع يعلم أن مواجهة فساد كبار وصغار الفاسدين فوق قدرة وطاقة وإمكانات أي وزير أومسئول، مهما كان موقعه، ولكن للشوالبرلماني والإعلامي ضروراته !!