رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق | رئيس التحرير التنفيذي : علاء عبدالهادي
القاهرة - 28 فبراير 2017
رئيس مجلس الإدارة
ياسر رزق
رئيس التحرير التنفيذي
علاء عبدالهادي

ورقة وقلم

ياسر رزق يكتب من نيودلهى : القمة المصرية الهندية .. والعودة إلي المستقبل

الجمعة , 02 سبتمبر 2016 - 02:23 مساءٍ

وقائع اللقاء الثالث خلال ١١ شهراً بين

«رجل الإنجازات» وزعيم أمة المليار و٢٥٠ مليوناً

 

مشاعر دافئة ندية تعانقها وتدثرك في هذا البلد القارة ذي المذاق الفريد.

لا تحس بأي غربة وأنت في الهند، حتي لو كنت مثلي في أول زيارة.

المودة تلمسها من الجميع. في الشارع، في المحال، في مقار الحكم، بمجرد معرفة أنك مصري.

ثمة عشق هنا للحضارة المصرية، لآثار الفراعنة، للنيل، لطبائع الشعب المصري، وأهمها الطيبة والتسليم بالقدر، وهما أبرز خصائص الشعب الهندي.

مثلما هناك في مصر ولع بالثقافة والفنون الهندية بالأخص في السينما والغناء، وشعور بالقربي نسجه نضال علي البعد ضد مستعمر واحد هو بريطانيا، وكفاح متماثل ضد عدو أشرس هو الفقر.

لدي الهنود حنين إلي عصر ازدهار علاقات البلدين، حينما أسس نهرو وعبدالناصر ومعهما الزعيم اليوغسلافي تيتو حركة عدم الانحياز قبل ٦٠ عاماً مضت.

كان نهرو معلماً ومرشداً لعبدالناصر، مثلما كان سعد زغلول قدوة للزعيم الهندي غاندي، وكانت ثورة ١٩١٩، ملهمة للهنود في نضالهم السلمي ضد الاحتلال.

< < <

خليط هائل من العقائد والعادات واللغات والأعراق تجده في الشعب الهندي، تعطيه نكهته المميزة وسحره الخاص.. خلطة أشبه بالتوابل أشهر منتجات هذا البلد.

التوابل نسميها أحيانا في بلادنا بـ «البهارات» نسبة إلي الهند. فاسم الهند باللغة الهندية هو «بهارات»!

في هذا البلد.. يعيش أكثر من ١٢٥٠ مليون إنسان، أي نحو خُمس سكان العالم، في أكبر دولة ديمقراطية من حيث عدد سكانها، مساحة الهند تزيد قليلاً علي ٣ أمثال مساحة مصر.

يعتنق الشعب كل الأديان السماوية كالإسلام بمذاهبه وفرقه والمسيحية بطوائفها، واليهودية، وغير السماوية ومنها الهندوسية وهو دين الأغلبية والبوذية والزرادشتية والسيخية والجينية.

يتكلم الهنود ١٤ لغة وعشرات اللهجات، أهمها اللغة الهندية، ويتحدث معظمهم الانجليزية بلكنة خاصة تميزهم وتفصح عن هويتهم في أي مكان.

كل هذا التنوع يجمع خصلاته ويضفرها عشق للوطن الأم، وإيمان بالديمقراطية الراسخة، وابتسامة ترتسم علي وجه الهندي في كل الأوقات، فهي مفتاحه إلي القلوب، وهي درعه في مواجهة تصاريف الأقدار وقسوة الحياة.

< < <

رغم تباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، تحقق الهند معدلاً عالياً في النمو يبلغ ٧٫٣٪ في ناتجها المحلي الذي يقدر هذا العام بنحو ٢ تريليون دولار، ويصل احتياطيها من العملات الأجنبية إلي ٣٧٠ مليار دولار، بينما لا يزيد عجز الموازنة علي ٤٪ ودينها الداخلي علي ٥١٫٧٪ من الناتج المحلي.

تصدر الهند آلات ومعدات وسيارات وبضائع ومنتجات زراعية بنحو ٢٨٧ مليار دولار سنوياً، لكن وارداتها رغم جهود تقليصها تبلغ ٤٣٢ مليار دولار.

يهوي الهنود من أبناء الطبقات المتوسطة والميسورة والثرية السفر والسياحة، ويبلغ عدد السياح من أبناء الهند نحو ٤٠٠ مليون سائح، ولا يصل منهم إلي مصر رغم شغفهم بالحضارة سوي ٧٠ ألفاً في آخر تعداد!

حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ في العام الماضي ٤ مليارات دولار، والمأمول أن يتضاعف خلال أعوام معدودة، أما الاستثمارات الهندية في مصر فتتخطي ٣ مليارات دولار، والمنشود ان ترتفع إلي ٦ مليارات خلال عامين، ثم ١٠ مليارات في السنوات القليلة القادمة.

< < <

إلي نيودلهي المدينة الخضراء، عاصمة شبه القارة الهندية، جاء الرئيس عبدالفتاح السيسي أمس الأول، مفعماً برغبة أكيدة في إحداث نقلة في التعاون المصري الهندي، علي أرضية علاقات خصبة، مهدها التاريخ، ورواها الماضي القريب، ويحمل المستقبل بشارات نموها وازدهارها.

وتلاقت الإرادتان المصرية والهندية في مباحثات القمة بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء ناريندرا مودي أمس، عندما قالا في نهاية اللقاء: إننا سننطلق بالتعاون المصري الهندي، ليفوق ما كان في عهد الزعيمين جواهر لال نهرو وجمال عبدالناصر.

فور وصوله إلي مقر إقامته بفندق «أي. تي. سي. موريا» التقي الرئيس السيسي وزيرة الخارجية الهندية سوشي سواراج التي حرصت علي مقابلة الرئيس، قبل سفرها أمس في مهمة عمل، وبجانب الموضوعات الخاصة بالتعاون الثنائي، تركز اللقاء علي بحث قضية الإرهاب، وطرحت الوزيرة الهندية مبادرة بلادها بعقد مؤتمر دولي لمكافحة هذه الظاهرة، ورد عليها الرئيس مؤكدا دعمه لكل الجهود الدولية الرامية لمكافحة الإرهاب من منظور شامل.

ثم التقي الرئيس أعضاء منتدي الأعمال المصري الهندي من مستثمري البلدين رجال التجارة، وفاق اللقاء الذي استغرق أكثر من ساعة التوقعات، في صراحته ودفئه وإيجابيته، وقوبلت كلمة الرئيس بالتصفيق أكثر من مرة، فقد استبق فيها ما كان يعن في خاطر الحاضرين من تساؤلات واستفسارات، حول إجراءات الاستثمار في مصر والمشروعات الكبري وأهمها محور قناة السويس ومشروعات البنية التحتية من كهرباء وطرق وموانيء وغيرها التي تستهدف توفير الامكانات اللازمة للمشروعات الصناعية والزراعية وغيرها. وقوبلت لفتة الرئيس بتقديم الاعتذار عما تعرض له مستثمر هندي في مجال الغزل والنسيج من إساءة في أعقاب ثورة ٢٥ يناير، باحترام وتقدير كبير من رجال الأعمال الهنود.

وكعادته في مثل هذه اللقاءات.. قال الرئيس: «إن بابي مفتوح في أي وقت لتذليل أي عقبة أمام أي مستثمر».

وتحدث رجال الأعمال الهنود، مؤكدين علي فاعلية مجلس الاعمال المصري الهندي الذي يعقد ثالث اجتماع له في عشرة شهور.

كما تحدث خالد أبوالمكارم رئيس الجانب المصري في المجلس، مؤكدا ان الاستثمارات المشتركة تستهدف المشروعات الصناعية الكبري، خاصة المنتجة للمواد الخام الوسيطة اللازمة لصناعات أخري. وطلب فتح خط جوي مباشر بين القاهرة ونيودلهي، مشيرا إلي آفاق السياحة الهندية في مصر. كما طلب إعادة النظر في قانون الاستثمار.

وعقب الرئيس مؤكداً أن هناك تعديلات جوهرية يجري وضعها علي قانون الاستثمار بهدف تقديم مزيد من التيسيرات والحوافز.

وبعد انتهاء اللقاء.. جلس المهندس طارق قابيل وزير الصناعة والتجارة، مع مستثمر هندي يرغب في إنشاء مدينة طبية متكاملة تضم مستشفيات وكليات للطب ومعاهد للتمريض ومراكز بحوث بتكلفة ١٫٥ مليار دولار، وجري البحث  في أكثر من مكان لاختيار أحدها لإقامة المشروع، في شمال الصعيد وفي العاصمة الإدارية، وفي الإسكندرية.

وكان مجلس الأعمال قد اتفق قبل حضور الرئيس علي عدة مشروعات، منها مشروع مشترك في برج العرب لإنتاج أجهزة المحمول بتكنولوجيا هندية، وضخ ٣٠٠ مليون دولار في مصنع سانمار الهندي للبتروكيماويات ببورسعيد للتوسع في طاقته الإنتاجية، وكذلك اختيار شركة هندية متخصصة لإدارة منتجع سياحي جديد في رأس سدر علي مساحة ١٫١ مليون متر مربع، بهدف جذب السياح الهنود.

< < <

في العاشرة من مساء أمس الأول، فوجيء الحضور في الفندق، بدخول جون كيري وزير الخارجية الأمريكي الذي جاء بطلب منه للقاء الرئيس السيسي في مقر إقامته.

وفي هذا اللقاء المطول عرض كيري علي الرئيس مبادرته حول الأزمة اليمنية، وتناقش مع الرئيس في الوضع بليبيا علي ضوء مساعي اختيار حكومة وفاق وطني، وكذلك الاتصالات الأمريكية الروسية بشأن حل الأزمة السورية سياسيا. تطرقت المباحثات إلي قضية السلام، وشددت مصر علي رؤيتها الداعية إلي تحريك المياه الراكدة من أجل التوصل إلي اتفاق يقيم الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وعقب لقاء الرئيس وكيري، علمت من مصدر رفيع المستوي أن مصر لم تطلب لقاء الرئيس الأمريكي أوباما، لا خلال حضوره قمة العشرين في الصين التي سيشارك فيها السيسي، ولا خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك التي سيحضرها الرئيس في النصف الثاني من سبتمبر الحالي.

< < <

يوم أمس.. استهل الرئيس السيسي نشاطه مبكرا في البداية الرسمية لزيارة الدولة التي يقوم بها إلي الهند بدعوة من الرئيس براناب موخيرجي.

زيارة الدولة هي أرفع أنواع زيارات رؤساء الدول.. تفوق في المقام زيارات العمل والزيارات الرسمية. وتعبر عن تقدير الدولة المضيفة لعلاقاتها بالدولة الضيف وبقائدها.

في الصباح الباكر.. توجه الرئيس السيسي إلي مقر الرئاسة الهندية في قصر «راشترباتي بهافان» المهيب، واستقبلت سيارة الرئيس بمواكب الخيول بينما اطلقت المدافع طلقات التحية، واستعرض الرئيس حرس الشرف بعد عزف السلامين الوطنيين، في مراسم حفاوة بالغة، سبقها وصاحبها اهتمام إعلامي بالغ في كبريات الصحف الهندية التي أفردت صفحاتها للحديث عن مصر والسيسي ومستقبل العلاقات المصرية الهندية.

كان الرئيس الهندي ورئيس الوزراء في مقدمة مستقبلي الرئيس وتبادل معهم حديثا قصيراً عن العلاقات التاريخية  والروابط المتينة بين الشعبين وآفاق التعاون.

عقب مراسم الاستقبال.. زار الرئيس ضريح الزعيم الهندي المهاتما غاندي ودوَّن كلمة في سجل الزيارات.

ثم توجه الرئيس إلي قصر «حيدر أباد» حيث مقر الحكومة الهندية، واستقبله رئيس الوزراء مودي عند سلم القصر، واصطحبه إلي جلسة مباحثات ثنائية استغرقت ساعة، ثم عقد الزعيمان جلسة موسعة استغرقت ٤٥ دقيقة بحضور اعضاء الوفدين المصري والهندي.

ضم الوفد المصري سامح شكري وزير الخارجية، طارق قابيل وزير التجارة والصناعة، عمرو الجارحي وزير المالية، اللواء مصطفي شريف رئيس ديوان رئيس الجمهورية، اللواء عباس كامل مدير مكتب الرئيس، السفير علاء يوسف المتحدث الرسمي باسم الرئاسة، و السفير حاتم تاج الدين سفير مصر في نيودلهي.

وفي ختام المباحثات.. شهد الزعيمان تبادل وثائق اتفاق التعاون في مجال النقل البحري، وألقي كل منهما بيانا أمام الصحفيين وممثلي وسائل الإعلام عن نتائج المباحثات.

< < <

هذه القمة، هي الثالثة بين الرئيس السيسي ورئيس الوزراء مودي سبقها لقاء في سبتمبر من العام الماضي بنيويورك علي هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ثم لقاء في نهاية أكتوبر خلال حضور الرئيس السيسي قمة الهند إفريقيا بنيودلهي.

كانت القيادة الهندية من أوائل المهنئين للرئيس السيسي فور انتخابه رئيسا للجمهورية، وقبيل تنصيبه رسميا.

في رسالته للتهنئة قال الرئيس الهندي للسيسي: «كنت أتابع عن كثب التطورات في مصر، وأتمني دائما كل الخير لبلدكم العظيم وشعبها الصديق».

وقال رئيس الوزراء في رسالته: «إنني علي ثقة من أن مصر تحت قيادتكم الحكيمة ستشهد عهداً جديداً من الاستقرار والرخاء. واتطلع إلي العمل عن كثب مع سيادتكم لدعم العلاقات الثنائية في السنوات المقبلة لتلبية طموحات شعبينا».

< < <

خلاصة ما قاله الرئيس السيسي لرئيس الوزراء ناريندرا في الجلستين الثنائية والموسعة، إن مصر حريصة علي تطوير تعاونها مع الهند في جميع المجالات بما يسهم في تعميق أواصر الصداقة والروابط التاريخية بين الشعبين، وأننا نريد الاستفادة من التجربة الهندية في مجالات عدة، مشيدا بالإنجازات التنموية التي تحققت.

في هذا السياق.. عرض الرئيس ملامح برنامج الإصلاح الشامل المصري للنهوض بالاقتصاد، والإجراءات التشريعية والإدارية لتوفير مناخ جاذب للاستثمار، موضحا الفرص الواعدة للمستثمرين الهنود في مصر، وتعزيز تعاون البلدين التجاري مع دول إفريقيا. وأشار الرئيس إلي أهمية تنشيط حركة السياحة الهندية إلي مصر.

تناول الرئيس أيضا قضية مكافحة الإرهاب والتطرف وتعزيز التنسيق بين البلدين في هذا المجال.. مؤكدا أن مصر تحرص علي المواجهة الفكرية لهذه الظاهرة عبر تنقية الخطاب الديني مما علق به من أفكار تجافي صحيح الدين.

وعلي ضوء المباحثات.. كلف الرئيس السيسي الحكومة بخمسة تكليفات محددة تتضمن، وضع خطة متكاملة للارتقاء بالتعاون مع الهند وتكثيف الاستثمارات وتعزيز التبادل التجاري ونقل الخبرات، كذلك تدعيم التعاون العسكري والأمني وترجمة التوافق إلي إجراءات محددة في مكافحة الإرهاب، ودفع التعاون الثقافي المشترك في مجال الإبداع الفني وتعزيز حركة السياحة وخطوط الطيران، وتشجيع التعاون العلمي في مجالات الطاقة المتجددة وتكنولوجيا المعلومات والفضاء والزراعة والتنمية الحضرية والنقل، وأخيرا تكثيف التنسيق بين البلدين في المحافل الدولية بشأن القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية بما يعكس توافق وجهات نظر قيادتي البلدين.

< < <

أما رئيس الوزراء الهندي، فقد عبر صراحة عن تقديره لقيادة السيسي، وقال له: «إنني أراك رجل إنجازات سواء في بلدك أو علي الصعيد الدولي، وهناك أكثر من مليار هندي يسرهم أن يروك هنا».

أشاد ناريندرا مودي بما تحقق في مصر من مشروعات كبري أهمها مشروع تنمية قناة السويس الذي يوفر فرصا واعدة للاستثمار، يتطلع الجانب الهندي للاستفادة منها.

وحيا مودي جهود السيسي لإبراز الصورة الصحيحة والسمحة للإسلام، وقال إن مصر هي منارة الإسلام والشعب المصري هو عنوان للاعتدال.

واتفق مودي والسيسي علي وضع أجندة عمل لدفع التعاون بين البلدين، بما يلبي أولويات الشعبين، مع التركيز علي زيادة تدفق السلع ورءوس الأموال بين البلدين، وتشجيع القطاع الخاص علي الاستثمار والدخول في شراكات تجارية.

لم يقتصد مودي في إظهار محبته لمصر وتقديره لرئيسها.. وقال له في ختام المباحثات: نحن مستعدون لنكون شريكا لكم موثوقاً به، لتحقيق أهداف مصر الاقتصادية والتنموية والأمنية.

< < <

اليوم.. يتوجه الرئيس السيسي من نيودلهي إلي هانغتشو لحضور قمة العشرين التي تستضيفها الصين.

ينهي الرئيس زيارة إلي بلد صديق، ليبدأ زيارة إلي بلد صديق، يضمان معاً ما يزيد علي ٤٠٪ من البشر.


  • 11 - 28 °C

  • سرعه الرياح :22.53
  • دولار أمريكى : 16
  • يورو : 16.9432
  • ريال سعودي : 4.2666