أقدر فى الرئيس السيسى صراحته، وشجاعته، وأيضا ثقته المطلقة فى تفهم الشعب ووعيه التى لا يدانيه فيها غيره، وثقة الشعب الهائلة فى صدقه وإخلاصه وحرصه على البسطاء، التى قلما أولاها الشعب لأحد سواه.
هذه الصفات، كانت أوراق اعتماد السيسى لقلوب الجماهير، وكانت سر خروج عشرات الملايين إلى الشوارع يوم ٢٦ يوليو ٢٠١٣، تفوضه فى مجابهة «العنف والإرهاب المحتمل».
ما دمنا نتحدث عن صراحة، فلا مجال إذن لتحميل أى عبارات له، على غير معناها ومقصدها، فلو كان يريد أن يقول شيئا لقاله دون تردد، ولو كان يرغب أن يكشف أمرا لكشف عنه دون مواربة، هو ليس من نوعية أولئك الذين يضمرون غير ما يعلنون.
وما دمنا نتحدث عن شجاعة، فقد عرفناه جسورا يقتحم، ولا يقحم الشعب فى مغامرات غير محسوبة.
وما دمنا نتحدث عن ثقة متبادلة بينه وبين الشعب فذلك يقتضى من الجماهير إدراك أنه حين يقدم على أمر أو إجراء، أو قرار، فالغرض منه هو مصلحة الوطن وأبنائه فى المقام الأول والأخير ويتطلب منه أن يصارح الجماهير ويكاشفها بمجريات الأمور ودقائق الأوضاع وأسباب القرارات وتبعاتها. وهذا ما يفعله دوما كواحد من أبناء الوطن، اختير لمهمة جليلة قبل منصب رفيع، هى إنقاذ وحماية وطن وبناؤه، وتحسين حياة شعب.
هذا هو نهج السيسي، وقد سمعناه بالأمس يسير عليه، وهو يشخص أمراض الاقتصاد المصري، ويحدد طرق العلاج.
الدواء ليس وصفة من عنديات السيسى يأمر معاونيه بكتابتها للأخذ بها، إنما هى خلاصة أفكار وآراء خبراء ومسئولين مصريين وعصارة مداولات ومناقشات دامت شهورا طويلة، بدأت قبل أن يعلن قراره بالترشح للرئاسة، وتبلورت على ضوء رؤيته لمستقبل مصر ومشروعها الوطني.
دواء الاقتصاد المصرى مر المذاق، وله أعراض جانبية كأى دواء.
لكن لا مفر منه، إذا كنا نطلب علاجا شافيا من مرض مزمن، وليس مجرد مسكنات وقتية، قد تخفف الأعراض إلى حين، غير أنها حتما تزيد من استفحال المرض واستشرائه بمضى الوقت.
على كل حال.. لم تعد المسكنات تجدى فى تخفيف آلام ولا تسكين أوجاع!
< < <
اقتصادات الدول، كأجساد البشر، لا يفضل فى علاجها الخيار الجراحي، ما دام هناك دواء. ولا يمكن لطبيب حصيف أن ينصح بأخذ الدواء جرعة واحدة، لتجنب تعريض الدول لأزمات اجتماعية أمنية، أو تعريض المريض لمضاعفات أخطر من المرض ذاته.
يعى السيسى الصورة بجوانبها، لذا لا ينبغى اقتطاع مشهد منها وتقدير الموقف على أساسه، مثلما وهو يتحدث عن المشكلة بأبعادها، لا يجب اقتطاع عبارة من سياق، والتنبؤ بقرارات على ضوئها.
حين تكلم عن الدعم، استخدم وصف ترشيد، ولم يقل ولا يمكن أن يقول إلغاء. بالتحديد قال: وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين.
وضرب أمثلة منها حجب الدعم عن الميسورين والأثرياء الذين يستهلك كل منهم أكثر من ألف كيلو وات من الكهرباء شهريًا، وإبقاء الدعم فى حدود ٢٨ جنيها على الفاتورة الشهرية لمن يقل استهلاكهم عن ٥٠ كيلو وات، موضحاً أن عبء الزيادة الأخيرة عليهم لا يتخطى جنيها ونصف الجنيه، وأن الدعم لباقى الشرائح مستمر بنسب متدرجة.
حين تكلم السيسى عن أنه لن يتردد فى اتخاذ قرارات لإصلاح الاقتصاد، كانت العهود السابقة تخشى الاقتراب منها، لم يكن يمهد لإصدار قرارات تنال من أولئك الذين لم يجدوا منذ ٤٠ عاماً من يحنو عليهم أو يرفق بهم، ووجدوا فيه ذلك الرجل.
وحين أشار السيسى إلى قرارات يناير ١٩٧٧، لم يكن أبدا يشير إلى نية بتحرير سعر رغيف الخبز أو إلغاء سلع بطاقات التموين المدعمة.. على الإطلاق لا يفكر ولا ينوى ولم يجر على خاطره أمر كهذا.
لم يتحدث عن خفض دعم الدولة لغير القادرين. بل تحدث عن زيادة!
زيادة فى عدد المستفيدين بمعاشى كرامة وتكافل من نصف مليون أسرة إلى ١٫٥ مليون أسرة بنهاية العام، وعن الزيادة الأخيرة فى المعاشات التى رفعت الحد الأدنى للمعاش من ٣٠٠ إلى ٥٠٠ جنيه، وزادت الحد الأقصى لنسبة الـ ١٠٪ على المعاشات إلى ١٢٥ جنيهاً.
لم يقل السيسى مثلاً إن الإسكان سيترك للعرض والطلب، إنما تحدث عن بناء مليون شقة مدعومة لمليون أسرة فى الإسكان الاجتماعى خلال أقل من عامين، ومعها ١٥٠ ألف شقة مجاناً للمحرومين من المأوى الآمن، وهم أبناء المناطق الخطرة الواقعة على سفوح الجبال وحواف الهضاب، أو المطلة على برك آسنة، أو أحياء العشش وعزب الصفيح.
< < <
ما فهمته من جملة خطاب الصراحة والمكاشفة الذى ألقاه الرئيس السيسى أمس أن استمرار دعم القادرين والميسورين الأغنياء، هو إهدار لحقوق الأقل حظاً فى كوب ماء نظيف، وسكن كريم، وتعليم لائق، ورعاية صحية حقيقية. فضلاً عما يمثله من افتئات على حقوق الأبناء والأجيال القادمة.
ما فهمته من دعوته للمرأة فى الأسرة المصرية بترشيد الاستهلاك، ليس هو التقتير على أبنائها فى طعام لمجابهة ارتفاع أسعار، إنما هو عدم إهدار مياه الشرب فى غير مقتضى أو إنارة الغرف فى غير وجود مقيمين، ليس فقط للحد من عبء الفواتير على الأسرة، وإنما لتوفير استهلاك جماعى يؤدى بنا إلى اللجوء لتدوير مياه أو تحلية تتكلف المليارات من أموال الشعب، يمكن أن توجه إلى تحسين خدمات ومرافق، أو يؤدى بنا إلى استهلاك وقود نستورده بمليارات الدولارات من الخارج لتشغيل محطات الكهرباء، أو إهدار غاز، يمكن لنا أن نستغله فى مشروعات للبتروكيماويات، كالذى شاهدناه بالأمس، يحقق قيمة مضافة للإنتاج المصرى، وتقوم على أساسه مشروعات صغيرة ومتوسطة فى مجالات عديدة توفر فرص العمل للشباب.
< < <
ما الذى قاله السيسى بالضبط؟!
قال ما يعنى أن الدائرة الجهنمية التى يدور فيها الاقتصاد المصرى، لا يمكن أن تستمر وإلا دفعنا الثمن من حاضرنا، ودفع أبناؤنا الثمن فى مستقبلهم.
ولنرجع سوياً إلى الأرقام التى لا تكذب ولا تخادع.
المصروفات فى الموازنة العامة (٢٠١٦/٢٠١٧) تبلغ ٩٣٦ مليار جنيه، ثلثها تقريبا فى حدود ٢٩٢ ملياراً يخصص لسداد فوائد الدين العام، وقرابة النصف، للدعم ومخصص له ٢١٠ مليارات، وللأجور والمعاشات ومخصص لهما ٢٢٨ ملياراً، أما المتبقى وهو أقل من ٢٢٪ من حجم الموازنة فينفق منه على كل أنشطة الدولة، كالاستثمارات الحكومية أو التعليم والصحة والإسكان والمرافق والنقل والمحليات والزراعة والشباب والثقافة والأمن والدفاع.
الإيرادات لا تزيد على ٦٣١ مليار جنيه.
إذن العجز فى حدود ٣٠٥ مليارات جنيه، ويتم تدبيره من خلال الاقتراض الداخلى والخارجي.
فى عام (٢٠١١/٢٠١٢) كان حجم الدين يبلغ ٨٠٠ مليار جنيه، ارتفع نتيجة عجز الموازنة والظروف الاقتصادية الصعبة عقب ثورة يناير، ليصل إلى ٣٫١ تريليون جنيه بنسبة ٩٧٪ من الناتج المحلى.
ومن ثم إذا استمر العجز بهذه المعدلات، يزداد الدين العام حجما وخطراً محدقاً بالبلاد، وتزداد بالتالى فوائده، ومخصصاته فى الموازنة، على حساب الخدمات والمرافق والاستثمارات الحكومية، ومن ثم يْتدهور مستوى معيشة المواطنين، وتقل فرص العمل المتاحة، وتتوقف جهود التنمية.
لا حل فى تقديرات خبراء الاقتصاد، سوى زيادة الإيرادات، من خلال سياسة ضريبية تراعى عدالة الأعباء، وتشجيع الاستثمارات، لتوفير فرص عمل من جانب، وزيادة ايرادات الضرائب والجمارك من جانب آخر مع رفع معدلات التصدير لتوفير مصادر للعملة الأجنبية فى ظل انحسار الدخل من السياحة وتحويلات المصريين بالخارج.
أما المصروفات، فلا يمكن المساس بالأجور والمعاشات، ولا يصح خفض الاستثمارات الحكومية أو تقليل الاعتمادات المخصصة للتعليم والصحة والإسكان الاجتماعى وغيرها، بل يتعين زيادتها لتحسين مستوى حياة المواطنين.
وبالتالى لا يتبقى سوى خفض إجمالى اعتمادات الدعم، لحجبه عن القادرين، وتوجيه جانب منه لغير القادرين لاسيما فى مجال الحماية الاجتماعية، واستخدام المتبقى الذى كان يذهب لجيوب سماسرة عن طريق الفساد أو غير مستحقين عن طريق التهاون، فى خفض عجز الموازنة، للحد من الاقتراض الداخلي، وإعادة الدين العام إلى المعدلات الآمنة، وخفض نسبة المخصص لسداد فوائده فى الموازنة العامة عاماً بعد عام.
< < <
هناك إجراءات منتظرة متدرجة للإصلاح الاقتصادي، ليس من بينها فى هذه المرحلة أسعار الوقود.
الفاتورة سيتحمل النصيب الأكبر منها من يقدر على تحملها وهم الميسورون.
لكن الأعراض الجانبية للدواء الذى لا مفر منه، لا بد من تلافى آثارها على الفقراء، وتخفيفها عن الطبقات الوسطى.
وبنفس الصراحة التى تحدث بها الرئيس السيسى، أقول إن هناك من يتحين تلك الإجراءات لمراكمة ثرواته الحرام على حساب محدودى الدخل وأبناء الطبقات الوسطى، لذا لابد من متابعة دقيقة من قمة السلطة ورئاسة الحكومة فى مجال ضبط الأسواق لمنع الجشعين من استغلال أى قرار للمغالاة فى الأسعار، وفى مجال ضرب الفساد للحد من تسرب أموال الدعم لبطون الفاسدين كما شاهدنا فى قضية القمح، لابد من تحصيل أموال الضرائب من المتهربين بقبضة الحكومة وسيف القانون، واستعادة أموال الدولة وأراضيها المنهوبة، بإيقاع أسرع يسبق تلك الإجراءات، لابد من إزالة بطء القرار الحكومى فى مجال الاستثمار، ولو عن طريق تشريع يقضى على ظاهرة ارتعاش الأقلام فى الأيادي.
نحن نثق فى إخلاص الرئيس السيسى، ومعه حكمته وحسن تقديره للموقف.
غير أن هذا البلد ليس بلد السيسى وحده، إنه وطننا جميعا. وإذا كان هو تبرع علنا بنصف راتبه ونصف ميراثه، وتبرع سراً بكامل ميراثه لصندوق «تحيا مصر»، فإننا نجد أناساً يحرضون غيرهم على عدم التبرع للصندوق، ونجد من ينقل أمواله إلى الخارج ويتحدث عن الوطنية، من يحجم عن الاستثمار فى بلده ويتكلم عن جذب الاستثمارات الخارجية!
أولئك أن يظنون بإمكانهم الضغط على الحكم، وتطويع قرار السلطة لمصالحهم، والاستحواذ على ثروات البلاد لحسابهم، ويعتنقون نظرية القضاء على الفقر عن طريق القضاء على الفقراء!
لكن تلك ظنون آثمة!